إذا أردت أن تبحث عن الإعلام في مصر، فاستعد أولًا للمرور على طابور طويل من الجهات والهيئات والمجالس والوزارات، حتى يخيل إليك أن الإعلام أصبح صناعة بيروقراطية أكثر منه صناعة محتوى.
فالمشهد الإعلامي المصري يضم:
* المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام (رئيس و8 أعضاء).
* الهيئة الوطنية للصحافة (رئيس و6 أعضاء).
* الهيئة الوطنية للإعلام (رئيس و8 أعضاء).
* الهيئة العامة للاستعلامات (رئيس ونائب و5 أعضاء).
* المجلس الاستشاري للهيئة الوطنية للإعلام (رئيس و14 عضوًا).
* وزارة الدولة للإعلام، بما تضمّه من وزير و22 مساعدًا ومستشارًا ومعاونًا ورئيس وحدة.
وعند قراءة هذه القائمة، يتبادر إلى الذهن سؤال بسيط لكنه بالغ الأهمية: إذا كان كل هؤلاء مسؤولين عن الإعلام، فمن المسؤول عن غيابه؟
إن الأصل في تعدد المؤسسات أن يحقق التكامل والتخصص وتوزيع الأدوار، لكن حين تتعدد الجهات إلى هذا الحد، يصبح من المشروع التساؤل: هل نحن أمام منظومة إعلامية متكاملة، أم أمام تعدد في المكاتب والمسميات واختصاصات متشابكة قد تُفضي إلى تضارب المسؤوليات وضياع المساءلة؟
فالإعلام لا يُقاس بعدد المجالس، ولا بعدد الرؤساء، ولا بحجم الهياكل الإدارية، وإنما يُقاس بما ينتجه من محتوى مؤثر، وما يحققه من مصداقية، وما يمتلكه من قدرة على مخاطبة الجمهور والدفاع عن مصالح الدولة وكسب ثقة المواطن.
وحين يضعف الأداء، يصبح السؤال مشروعًا: أين الخلل؟ هل في الأشخاص؟ أم في التشريعات؟ أم في تضخم البنية الإدارية التي جعلت الجميع مسؤولين، وبالتالي لم يعد أحد مسؤولًا؟
وفي النهاية، لا يسع المواطن إلا أن يبتسم وهو يقترح - على سبيل الدعابة - إنشاء “الهيئة الوطنية للبحث عن الإعلام”، تكون مهمتها الوحيدة العثور على الإعلام المصري الذي يبدو أنه غاب عن المشهد منذ فترة، رغم كثرة الجهات التي تتولى الإشراف عليه.
فالواقع يقول إن كثرة المؤسسات لا تعني بالضرورة جودة الأداء، كما أن تضخم الهياكل لا يصنع إعلامًا قويًا.
فالإعلام الحقيقي لا يحتاج إلى المزيد من الكراسي، بل إلى رؤية واضحة، واستقلال مهني، ورسالة تصل إلى الناس قبل أن تضيع بين دهاليز اللجان والمجالس والهيئات.