يدخل منتخب مصر المقارنة بقيمة سوقية تبلغ 116.48 مليون يورو، مقابل 32.05 مليون يورو لمنتخب إيران. الرقم في ظاهره رياضي، لكنه يفتح سؤالًا اقتصاديًا أوسع: كيف نعرف قيمة اللاعب المصري بهذه الدقة بينما تبدو قيمة الإنسان المصري داخل الاقتصاد أقل حضورًا في الإدارة والتخطيط؟ الفارق بين الرقمين لا يخص الملعب وحده لأنه يضعنا أمام معنى أكبر من نتيجة مباراة.
في كرة القدم، لا تأتي القيمة من الانطباع العام. عمر مرموش وحده تقدر قيمته بنحو 50 مليون يورو، ومحمد صلاح بـ 22 مليون يورو، وتريزيجيه بـ 4.5 مليون يورو. هذه الأرقام لا تصدر عن حماس جماهيري ولا عن رغبة في المجاملة، لكنها نتيجة سوق يراقب ويقيس ويقارن. اللاعب يخضع لتقييم مستمر يشمل سنه وأداءه وناديه وإصاباته وأهدافه وتمريراته وقدرته على التطور.
هنا تظهر المفارقة. سوق انتقالات اللاعبين يملك لغة واضحة للتقييم. يعرف كيف يحول الموهبة إلى رقم وكيف يرفع هذا الرقم أو يخفضه بناءً على أداء فعلي. لا أحد يكتفي بالحديث عن الموهبة كفكرة جميلة. الموهبة هناك لا تصبح قيمة إلا إذا دخلت منظومة متابعة وإدارة وتسويق ومحاسبة.
في الاقتصاد، يشعر المواطن أحيانًا بأن الصورة أكثر غموضًا. يسمع عن ديون وموازنة وفوائد وعجز وتوقعات، لكنه يبحث عن الإجابة البسيطة وراء كل ذلك: إلى أين نذهب؟ من يدفع الفاتورة؟ ولماذا يتحمل المواطن أثر القرارات أسرع مما يرى أثر الإصلاح؟ الأرقام الاقتصادية ليست مشكلة في ذاتها، لكن المشكلة أن علاقتها بحياة الناس لا تشرح دائمًا بالوضوح نفسه الذي تشرح به قيمة لاعب في سوق الكرة.
ارتفاع قيمة لاعبي المنتخب ليس أمرًا سلبيًا. على العكس، هو دليل مهم على أن القيمة البشرية المصرية موجودة وقادرة على المنافسة. العالم حين يرى لاعبًا مصريًا مميزًا، لا يتعامل معه كشعار وطني، إنما كأصل له سعر وفرصة ومستقبل. هذه نقطة قوة لا ينبغي تجاهلها، لأنها تقول إن الإنسان المصري قادر على خلق قيمة كبيرة متى وُضع داخل منظومة تعرف كيف تكتشفه وتطوره وتعرضه على السوق.
السؤال الأهم هو لماذا لا ينتقل هذا المنطق إلى الاقتصاد الأوسع. إذا كنا نستطيع قراءة قيمة لاعب بدقة، فلماذا لا نقرأ قيمة العامل والمهندس والطبيب والمزارع والمصدر ورائد الأعمال بالدقة نفسها؟ لماذا لا تتحول القيمة البشرية إلى إنتاج منظم وصادرات أقوى وفرص عمل أفضل وقدرة أكبر على تخفيف ضغط الديون والفوائد والعجز؟
المشكلة ليست في نقص الموهبة. المشكلة في إدارة الموهبة. وليست في غياب الإمكانات، إنما في طريقة تحويلها إلى قيمة اقتصادية مستدامة. السوق لا يحترم النوايا الطيبة ولا يكافئ الأمنيات لكنه يستجيب للوضوح والإنتاج والانضباط. وما ينطبق على لاعب داخل الملعب ينطبق بدرجة أكبر على اقتصاد كامل خارج الملعب.
لهذا يبدو سؤال نبيع مين عشان نسدد مين؟ سؤالًا ضيقًا وقصير النظر. السؤال الأجدر هو: كيف ندير ما نملكه قبل أن نصل إلى لحظة البيع؟ القيمة المصرية موجودة وتظهر في الملاعب والأسواق والعقول. غير أن القيمة التي لا تجد إدارة رشيدة تتحول إلى رقم جميل يراه الآخرون، لا إلى قوة حقيقية يشعر بها المواطن.