شهدت كولومبيا تحولاً جذرياً في خارطة خارطتها السياسية عقب الإعلان عن فوز المحامي الجنائي البارز، أبيلاردو دي لا إسبريا، في الجولة الثانية والنهائية من الانتخابات الرئاسية التي حبست أنفاس البلاد.
ويمثل هذا الصعود المثير لـ "دي لا إسبريا"، البالغ من العمر 47 عاماً، ردة فعل قوية وانعطافة حادة نحو اليمين المحافظ، بعد فترة من الحكم اليساري أثارت انقسامات واسعة في الشارع الكولومبي.
وجاء هذا الحسم الانتخابي بعد معركة صناديق شرسة عكست حجم الاستقطاب الحاد الذي تعيشه البلاد، لتفتح كولومبيا بذلك صفحة جديدة في تاريخها السياسي الحديث تحت قيادة رئيس يوصف بأنه أحد أكثر الوجوه إثارة للجدل.
الأرقام تتحدث: فوز بفارق ضئيل وسط طعون المعارضة
كشفت النتائج الرسمية الصادرة عن السلطات الانتخابية الكولومبية عن تقارب شديد وغير مسبوق في نسب التصويت، حيث نجح دي لا إسبريا في حسم المقعد الرئاسي لصالحه بعد حصوله على 49.65% من أصوات الناخبين.
وفاز الرئيس الجديد بفارق ضئيل لم يتجاوز النقطة المئوية الواحدة على منافسه الشرس، السناتور اليساري البارز إيفان سيبيدا، الذي حصد 48.70% من الأصوات.
وفي الوقت الذي بدأت فيه احتفالات معسكر اليمين بالفوز، سارعت المعارضة اليسارية إلى تقديم طعون قانونية وشكاوى تشكك في بعض النتائج، بينما تستمر الأجهزة الانتخابية في استكمال عمليات الفرز والتدقيق وسط أجواء مشحونة بالترقب الميداني والقانوني.
من قاعات المحاكم إلى سدة الحكم: رحلة "النمر" المثيرة
يتمتع الرئيس المنتخب، الذي يحمل الجنسية الأمريكية إلى جانب جنسيته الكولومبية ويُلقب في الأوساط الشعبية بـ "النمر"، بسيرة مهنية حافلة بدأت من مدينة "بارانكيا" مسقط رأسه في عام 1977.
وقد بنى دي لا إسبريا شهرته وصورته العامة كمحامٍ جنائي متخصص في القضايا الكبرى والمعقدة، حيث تولى الدفاع عن كبار رجال الأعمال، والمسؤولين النافذين، والشخصيات العامة المثيرة للجدل، مما منحه حضوراً إعلامياً طاغياً.
ولم يكتفِ دي لا إسبريا بالعمل القانوني، بل استثمر إطلالاته التلفزيونية والمقالات الصحفية لبناء قاعدة جماهيرية عريضة، مقدماً نفسه كصوت مدافع عن "الدولة القوية" ومستفيداً من إحباط قطاعات واسعة من المواطنين تجاه ملفات الأمن والاقتصاد.
القبضة الحديدية والاقتصاد الحر: ملامح البرنامج الرئاسي
يرتكز البرنامج السياسي الذي خاض به دي لا إسبريا سباقه نحو الرئاسة على خطة أمنية بالغة التشدد تعتمد على تعزيز قدرات الجيش والشرطة، وشن حرب لا هوادة فيها على كارتيلات وعصابات تهريب المخدرات.
وتعهد الرئيس الجديد بإعادة النظر في التفاهمات والاتفاقيات التي أبرمتها الحكومات اليسارية السابقة مع الفصائل المسلحة، متبنياً خطاباً يرفض تقديم أي تنازلات لمن يصفهم بالخارجين عن القانون.
أما على الصعيد الاقتصادي، فيدعو دي لا إسبريا إلى تطبيق نموذج الرأسمالية الحرة من خلال تقليص حجم القطاع الحكومي، وإلغاء القيود البيروقراطية، وتقديم تسهيلات واسعة للمستثمرين المحليين والأجانب باعتبار أن النمو الاقتصادي هو المفتاح الحقيقي لحل الأزمات الاجتماعية.
ظلال واشنطن: دعم ترامب العلني يثير الانقسام الداخلي
لم تقتصر إثارة الجدل في الحملة الانتخابية على الداخل الكولومبي، بل امتدت إلى الصعيد الدولي بعد الدعم العلني المباشر الذي حظي به دي لا إسبريا من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
ووصف ترامب الحليف الكولومبي الجديد بأنه "مناضل بلا كلل"، في حين شن هجوماً حاداً على منافسه اليساري سيبيدا واصفاً إياه بـ "الماركسي المتطرف".
وفور إعلان الفوز، كشف دي لا إسبريا عن تلقيه اتصالاً هاتفياً من ترامب يهنئه فيه على النصر ويؤكد دعم واشنطن لحكومته القادمة.
وفي حين رحبت القوى المحافظة بهذا التحالف المباشر مع البيت الأبيض كإشارة لقوة العلاقات المستقبلية، اعتبرت قوى اليسار هذا الموقف تدخلاً أمريكياً سافراً في السيادة الوطنية الكولومبية.
مخاوف من تعميق الاستقطاب وتراجع المصالحة
مع اقتراب الرئيس الجديد من تسلم مقاليد السلطة رسمياً، يتصاعد القلق لدى منتقدي دي لا إسبريا والمنظمات الحقوقية من تداعيات خطابه الشعبوي الحاد على السلم الأهلي.
ويحذر الخبراء من أن السياسات الأمنية المتشددة قد تؤدي إلى إجهاض مسارات المصالحة الوطنية التي قطعتها كولومبيا في السنوات الأخيرة، فضلاً عن احتمالية زيادة الانقسام المجتمعي والسياسي.
وبينما يرى فيه أنصاره المنقذ القوي القادر على فرض هيبة القانون وإنهاء ما يسمونه "مرحلة التجارب اليسارية الفاشلة"، يترقب المجتمع الدولي كيفية تعامل الإدارة الكولومبية الجديدة مع التحديات الأمنية المعقدة في بلد عانى طويلاً من الحروب الداخلية.
موضوعات متعلقة
ترامب: دمرنا إيران والجزء الأصعب انتهى
قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين.. تصعيد تشريعي من 5 بنود مثيرة
وزير الحرب الأمريكي: الحفاظ على عنصر المفاجأة أولوية وواشنطن تسعى لاتفاق مع إيران