advertisment

رئيس مجلس الإدارة و التحرير
نجلاء كمال

المقابر تتحول إلى «استثمار عقاري».. كيف دخلت المدافن عصر الكومباوندات في مصر؟

محمد يوسف

الأحد, 10 مايو, 2026

06:29 م

لم تعد أزمة المقابر في مصر مجرد قضية ترتبط بتوفير أماكن لدفن الموتى، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى ملف اقتصادي واجتماعي معقد يعكس حجم التغيرات التي أصابت سوق العقارات وأنماط الاستهلاك داخل المجتمع المصري. ومع الزيادة السكانية المتسارعة، وارتفاع أسعار الأراضي، والتوسع العمراني في المدن الجديدة، دخلت المقابر بدورها دائرة الاستثمار والمضاربة، لتتحول من ضرورة إنسانية إلى سلعة عقارية تُباع وتُشترى بأسعار تقترب أحيانًا من تكلفة الوحدات السكنية.


وخلال الفترة الأخيرة، أثارت الإعلانات الخاصة بالمقابر الفاخرة جدلًا واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما بدأت بعض الشركات في تسويق المدافن بنفس أساليب تسويق المنتجعات السكنية والكمبوندات، عبر التركيز على التشطيبات الفاخرة والخدمات المتكاملة، في مشهد اعتبره كثيرون انعكاسًا لتحول غير مسبوق في طبيعة هذا القطاع.


المقابر تدخل عصر «الكومباوندات»
عبارات مثل “تصميم عالمي” و“خدمات متكاملة” و“بارك خاص للسيارات” لم تعد حكرًا على الإعلانات العقارية الخاصة بالمشروعات السكنية، بل أصبحت حاضرة بقوة في سوق المقابر.


وفي عدد من المشروعات الجديدة، خاصة بالمناطق القريبة من المدن العمرانية الحديثة، يجري تقديم المقبرة باعتبارها مشروعًا متكاملًا يوفر بيئة منظمة وخدمات متعددة لأسر المتوفين والزائرين.


وتعتمد هذه المشروعات على تصميمات معمارية مستوحاة من الطابع الإسلامي والزخارف الحجرية الفاخرة، إلى جانب إنشاء شوارع ممهدة ومساجد ملحقة وقاعات مجهزة للعزاء، فضلًا عن أماكن انتظار سيارات داخلية لتقليل الزحام وتوفير الخصوصية أثناء مراسم الدفن.


ولم يعد الفارق بين المقابر يقتصر على الموقع أو المساحة فقط، بل امتد إلى مستوى التشطيبات والخدمات والصيانة الدورية، ما أدى إلى ظهور ما يعرف بـ«مدافن الـVIP»، التي تستهدف شريحة قادرة على تحمل تكاليف مرتفعة مقابل مستوى أعلى من التنظيم والخدمات.


أسعار تقترب من الشقق السكنية
التحولات التي يشهدها هذا القطاع ترتبط بشكل مباشر بواقع السوق العقارية في مصر، فمع محدودية الأراضي المخصصة للمقابر داخل القاهرة الكبرى وارتفاع الكثافات السكانية، أصبح الطلب على المدافن يفوق حجم المعروض، ما أدى إلى ارتفاعات سعرية متتالية خلال السنوات الأخيرة.


وتتنوع مساحات المقابر المطروحة حاليًا بين 20 و120 مترًا مربعًا، إلا أن الأسعار شهدت قفزات كبيرة مقارنة بالسنوات الماضية، حيث تجاوز سعر بعض المدافن الصغيرة نصف مليون جنيه، بينما اقتربت أسعار بعض المقابر الفاخرة من عدة ملايين من الجنيهات، خاصة في المدن الجديدة والمشروعات الخاصة.


ويرى متخصصون أن جزءًا من الأزمة يعود إلى اتساع السوق غير الرسمية، إذ يتم إعادة بيع مقابر حصل أصحابها عليها من الدولة بأسعار منخفضة، ثم إعادة طرحها بأسعار مضاعفة عبر السماسرة، ما ساهم في خلق موجة مضاربة رفعت الأسعار بصورة كبيرة.


«رفاهية ما بعد الموت»
ومع اشتداد المنافسة بين الشركات العاملة في القطاع، اتجهت بعض المشروعات إلى تقديم خدمات إضافية تمنح المقابر طابعًا أكثر فخامة، مثل استخدام الرخام الطبيعي في التشطيبات، وتصميم مداخل فاخرة، وتوفير قاعات استقبال وخدمات صيانة ونظافة مستمرة.


كما ظهرت أنظمة سداد وتقسيط وعروض تسويقية شبيهة بما يحدث في سوق العقارات السكنية، بل إن بعض الشركات بدأت تروج للمقابر باعتبارها “استثمارًا طويل الأجل” أو “أصلًا عقاريًا مضمون القيمة”، وهو ما أثار انتقادات واسعة اعتبرت أن تحويل المقبرة إلى أداة استثمارية يتعارض مع طبيعتها الإنسانية والدينية.


ويرى مراقبون أن هذا التحول يعكس تغيرًا أوسع في الثقافة الاستهلاكية، حيث أصبحت المظاهر الاجتماعية حاضرة حتى في تفاصيل ترتبط بالموت، مع سعي بعض الأسر لاقتناء مدافن بمواصفات فاخرة أو في مواقع مميزة باعتبارها امتدادًا للمكانة الاجتماعية.


صناعة الموت.. سوق عالمي يتوسع
ولا يقتصر نمو هذا القطاع على مصر فقط، بل تشير تقديرات اقتصادية إلى اتساع ما يعرف عالميًا بـ«صناعة الموت»، التي تشمل خدمات الدفن والتجهيز والعزاء وإدارة المقابر.


ووفق تقديرات حديثة، بلغت قيمة هذه الصناعة عالميًا نحو 126 مليار دولار خلال عام 2024، مع توقعات باستمرار النمو خلال السنوات المقبلة، مدفوعًا بزيادة أعداد كبار السن وارتفاع الطلب على خدمات الدفن المنظمة.


وفي مصر، تطور القطاع ليشمل منظومة متكاملة تبدأ من تجهيز ونقل المتوفى، مرورًا بتنظيم مراسم العزاء، وصولًا إلى إنشاء المقابر وإدارتها، ما فتح الباب أمام شركات واستثمارات جديدة تبحث عن عوائد مرتفعة داخل سوق يشهد طلبًا دائمًا ومتزايدًا.


تحركات حكومية لمواجهة الأزمة
وأمام تصاعد الأسعار وزيادة شكاوى المواطنين، بدأت الحكومة التوسع في طرح أراضٍ جديدة مخصصة للمقابر في شرق وغرب القاهرة وعدد من المدن الجديدة، في محاولة لتقليل الفجوة بين العرض والطلب.


كما تعمل الجهات المختصة على تنظيم عمليات التخصيص من خلال المحليات وهيئة المجتمعات العمرانية، مع الاتجاه لتطبيق نظام حق الانتفاع بدلًا من التمليك الكامل، بهدف الحد من إعادة البيع والمضاربة.


وتتضمن الضوابط الجديدة اشتراطات تتعلق بالإقامة أو امتلاك وحدة سكنية داخل المدينة للحصول على مدفن، إلى جانب خطط لنقل بعض المقابر القديمة خارج الكتل السكنية ضمن رؤية لإعادة تخطيط المدن وتقليل الضغط العمراني.


خبراء: الأسعار الحالية غير منطقية
ومن جانبه، قال إسلام الأمين إن سوق المقابر في مصر يشهد ارتفاعات كبيرة وغير مبررة، موضحًا أن بعض الجهات حولت المقابر من احتياج إنساني أساسي إلى سلعة استثمارية تستهدف تحقيق أرباح مرتفعة.


وأضاف أن أسعار بعض المدافن الصغيرة تجاوزت مئات الآلاف من الجنيهات، بينما تخطت أخرى حاجز المليون جنيه رغم محدودية تكاليف الإنشاء، معتبرًا أن بعض المطورين يبالغون في هامش الربح مستغلين زيادة الطلب على المقابر باعتبارها خدمة لا يمكن الاستغناء عنها.


وأشار إلى أن التوسع في الترويج للتشطيبات الفاخرة وقاعات الاستقبال داخل المقابر لا يتناسب مع طبيعتها الإنسانية، مؤكدًا أن المقبرة هدفها الأساسي ستر المتوفى وليس التفاخر أو الاستعراض.


مواطنون: «إكرام الميت» أصبح عبئًا ماليًا
وفي السياق نفسه، قال محمد سعيد إن تجربة البحث عن مدفن كشفت له حجم الارتفاع الكبير في الأسعار، موضحًا أن بعض المقابر وصل سعرها إلى نصف مليون جنيه، بينما لا تقل أسعار المقابر العادية في أغلب المناطق عن ربع مليون جنيه.


وأضاف أن تسعير المقابر بات يخضع لنفس معايير العقارات، حيث ترتفع أسعار المدافن الواقعة في الصفوف الأولى أو على النواصي، ما جعل فكرة توفير مدفن للأسرة تمثل عبئًا ماليًا كبيرًا على كثير من المواطنين.


وأكد أنه منذ سنوات يحاول شراء مقبرة للعائلة دون جدوى بسبب الزيادات المتتالية، لافتًا إلى أنه أصبح في حيرة بين توفير سكن لأبنائه أو تأمين مدفن للأسرة، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة ونقص الأراضي المخصصة للمقابر في عدد من المحافظات.


بين الاستثمار وحق إنساني أساسي
ورغم محاولات الدولة لتنظيم السوق، لا تزال أسعار المقابر تمثل أزمة متفاقمة لكثير من الأسر المصرية، خاصة مع استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة والتوسع العمراني.


وبينما يرى البعض أن ارتفاع الأسعار نتيجة طبيعية لزيادة الطلب ونقص الأراضي، يعتبر آخرون أن المقابر تحولت إلى نشاط استثماري يخضع لمنطق الربح والمضاربة، بعيدًا عن طبيعتها الإنسانية والدينية.


وفي ظل استمرار الزيادة السكانية واتساع المدن الجديدة، تبدو أزمة المقابر مرشحة لمزيد من التعقيد خلال السنوات المقبلة، ما لم يتم التوسع في إنشاء مدافن بأسعار مناسبة ووضع ضوابط أكثر صرامة للحد من المضاربة داخل هذا القطاع المرتبط بحق إنساني لا يحتمل الاستغلال.