مع دخول شهر رمضان الكريم، لا تقتصر الاستعدادات على تجهيز موائد الإفطار وشراء السلع، بل تمتد إلى طقس اجتماعي راسخ يعيد تشكيل ملامح الشوارع ويمنحها روحًا خاصة، وهو تعليق زينة رمضان. في هذا المشهد السنوي، يجتمع الجيران، يتشاركون التكاليف، ويتعاونون في تعليق الأضواء والفوانيس، فتتحول الشوارع إلى مساحة احتفال جماعية تستقبل الشهر الكريم كضيف عزيز.
«جمعية زينة رمضان».. مشاركة وتكافل
في المنصورة، تقول مي السيد إن الاستعداد هذا العام بدأ مبكرًا، حيث اتفق سكان الشارع منذ شهرين على إنشاء «جمعية زينة رمضان»، يساهم فيها الجميع بمبالغ رمزية بالتناوب، لضمان مشاركة كل بيت. وتشير إلى أنهم قرروا شراء قطعة جديدة من الزينة كل أسبوع، فمرة فانوس كبير ومرة سلاسل إضاءة مختلفة، حتى يكتمل الشكل تدريجيًا.
وتضيف أن الكبار يساهمون بمبالغ أكبر لتغطية تكلفة الإضاءات، بينما يحرص الأطفال على الحضور والمساعدة، وهو ما شجعهم على ادخار جزء من مصروفهم للمشاركة في الزينة، ليصبح الأمر درسًا عمليًا في التعاون والانتماء.
إعلان غير رسمي لقدوم الشهر
أما في القاهرة، وتحديدًا بمنطقة الزيتون، تصف رانيا سيد لحظة إخراج كرتونة الزينة بأنها «الإعلان الرسمي» لقدوم رمضان، قائلة إن مجرد بدء الشباب في تعليقها كفيل بإشاعة أجواء الشهر في القلوب قبل البيوت.
وفي حدائق القبة، يؤكد محمود محمد أنه يحرص كل عام، رغم انشغاله، على تخصيص يوم قبل رمضان للاجتماع مع الجيران وتعليق الزينة، لأنها تعيد إليه ذكريات الطفولة التي لا يريد أن تندثر.
ذاكرة تتراكم عامًا بعد عام
وفي حي السيدة زينب، تقول حبيبة محمد إنها تحب إضافة قطعة جديدة من الزينة كل عام، معتبرة أن الأمر يشبه بناء ذاكرة مشتركة تتراكم تفاصيلها بمرور الزمن، ما يمنح الشهر خصوصيته وتميزه.
ويستعيد عم حسين، صاحب مقهى في حدائق القبة، مشاهد الماضي حين كانت الزينة تُصنع يدويًا من الورق الملون، مؤكدًا أنه رغم تغير الأشكال وظهور الزينة الجاهزة، فإن الفرحة نفسها باقية، لأن الأهم هو «لَمّة الناس» أثناء تعليقها.
وتختتم الحاجة فتحية، 65 عامًا، بقولها إن الزينة ليست مجرد ألوان أو لمبات مضيئة، بل ذكريات عمر كامل، إذ تحرص كل عام على المساهمة مع الشباب في تكلفتها، لأن هذا الطقس يعيد إليها فرحة رمضان في زمن مضى.
هكذا تظل زينة رمضان أكثر من مجرد ديكور موسمي؛ إنها مناسبة لإحياء روح الجيرة، وتجديد روابط المودة، وتأكيد أن بهجة الشهر لا تصنعها الأنوار وحدها، بل القلوب التي تجتمع تحتها.