advertisment

رئيس مجلس الإدارة و التحرير
نجلاء كمال

السيارات الكهربائية الصينية تُربك أوروبا.. معركة أسعار تهدد عمالقة الصناعة

مصطفى علوان

الأحد, 18 يناير, 2026

04:39 م

يشكّل التوسع السريع للسيارات الكهربائية الصينية في الأسواق الأوروبية مصدر قلق متزايد لصناعة السيارات داخل الاتحاد الأوروبي، في ظل مطالبات متصاعدة من عواصم التكتل بضرورة حماية الشركات الوطنية من المنافسة غير المتكافئة. وتجد المفوضية الأوروبية نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد، إذ تسعى من جهة إلى تجنب اندلاع حرب تجارية واسعة مع الصين، ومن جهة أخرى تحاول إنعاش اقتصاد أوروبي يعاني من تباطؤ واضح، خصوصًا في قطاع السيارات الذي يُعد أحد أعمدة الصناعة في القارة.

وفي هذا السياق، يتجه الاتحاد الأوروبي إلى البحث عن حلول بديلة للرسوم الجمركية المرتفعة، عبر تطبيق حد أدنى للأسعار على السيارات الكهربائية المستوردة من الصين، بهدف تعويض ما يعتبره دعمًا حكوميًا غير عادل تقدمه بكين لمصنّعيها. ويأتي هذا التوجه بعد أن فرض الاتحاد في عام 2024 رسومًا جمركية وصلت إلى 35.3% على بعض الطرازات الصينية، عقب تحقيق خلص إلى أن الإعانات الصينية تمنح المنتجين ميزة تنافسية كبيرة تضر بالشركات الأوروبية.

ومنذ فرض تلك الرسوم، دخل الجانبان الأوروبي والصيني في مفاوضات بحثًا عن بدائل أقل تصعيدًا، وسط محاولات للوصول إلى صيغة توازن بين حماية السوق الأوروبية والحفاظ على انسياب التجارة. وضمن هذا الإطار، أصدرت المفوضية الأوروبية إرشادات جديدة تسمح للمصدّرين الصينيين بالالتزام بأسعار محددة لتجنب الرسوم الإضافية، شريطة أن تزيل هذه الالتزامات الآثار السلبية للدعم الحكومي وأن تحقق تأثيرًا يعادل تأثير الرسوم الجمركية.

وأكدت المفوضية أن تقييم هذه العروض سيتم بشكل موضوعي وعادل، مشيرة إلى تلقيها حتى الآن عرض التزام سعري واحد فقط دون الإفصاح عن تفاصيله. ورغم ذلك، أبدى عدد من خبراء صناعة السيارات تشككهم في جدوى هذه الخطوة، معتبرين أن تحديد حد أدنى للأسعار قد لا يكون كافيًا للحد من التفوق السعري الكبير للسيارات الصينية داخل أوروبا.

وتشير تقديرات الاتحاد الأوروبي إلى أن الدعم الصيني يمنح الشركات هناك ميزة سعرية تقارب 20% في السوق الأوروبية، وهو ما دفع إلى فرض رسوم متفاوتة بحسب كل شركة. ولم تقتصر تداعيات هذه الرسوم على الشركات الصينية فقط، بل طالت أيضًا شركات أوروبية وأمريكية تنتج سياراتها داخل الصين. وردًا على ذلك، اتخذت بكين إجراءات مضادة بفرض رسوم على عدد من السلع الأوروبية، ما زاد من حدة التوتر التجاري بين الطرفين.

وفي الوقت ذاته، يواجه قطاع السيارات الأوروبي ضغوطًا متزايدة على مستوى العمالة، إذ توظف الصناعة نحو 6 ملايين عامل بشكل مباشر، إضافة إلى عدد مماثل في القطاعات المرتبطة بها. ومنذ عام 2019، تسارعت وتيرة فقدان الوظائف، حيث أعلنت شركات أوروبية خلال عام 2024 وبداية 2025 عن تسريحات طالت قرابة 100 ألف وظيفة، مع تركز الخسائر في دول كبرى مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا.

وتبرز ألمانيا بوصفها الحالة الأكثر حساسية، بعدما كانت لعقود قوة عالمية في صناعة السيارات. فبينما يتزايد الطلب على السيارات الكهربائية، لا يتجه المستهلكون بالضرورة إلى العلامات الألمانية التقليدية، في ظل الإغراءات السعرية التي تقدمها النماذج الصينية. وأظهرت بيانات رسمية انتعاشًا كبيرًا في مبيعات السيارات الكهربائية بألمانيا خلال عام 2025، مع تقدم لافت للشركات الصينية رغم استمرار الرسوم الجمركية.

وسجلت إحدى كبرى الشركات الصينية قفزة هائلة في مبيعاتها داخل السوق الألمانية، لتتحول من لاعب هامشي إلى منافس حقيقي، في وقت لا تزال فيه سوق السيارات الكهربائية أقل من التوقعات التي راهن عليها صناع القرار سابقًا. ومع تراجع المبيعات في عام 2024، أعادت الحكومة الألمانية العمل بالدعم الحكومي في محاولة لتحفيز الطلب، إلا أن أوساط الصناعة ترى أن تحسين البنية التحتية وخفض أسعار الطاقة يمثلان العامل الحاسم في إنجاح التحول الكهربائي.

وعلى الجانب الآخر، تواجه الشركات الألمانية تراجعًا حادًا في السوق الصينية، التي تمثل نحو 30% من إجمالي مبيعاتها العالمية. فقد انخفضت مبيعات عدد من كبرى العلامات الأوروبية هناك نتيجة المنافسة الشرسة من المنتجين المحليين، ما يضع الصناعة الأوروبية بين ضغطين متعاكسين: منافسة صينية قوية داخل أوروبا، وتراجع نفوذ أوروبي داخل الصين.

ولا تتوقف تداعيات هذا الصراع عند حدود الشركات الكبرى، بل تمتد إلى سلاسل التوريد في القارة بأكملها. فدول مثل بلغاريا، التي أصبحت موردًا مهمًا لمكونات السيارات، قد تتأثر بشكل غير مباشر بتراجع إنتاج الشركات الأوروبية، في مقابل فرص محتملة ناتجة عن توسع الاستثمارات الصينية داخل الاتحاد الأوروبي.

وتزداد الصورة تعقيدًا مع التعديلات الأخيرة على السياسات البيئية الأوروبية، حيث تراجع الاتحاد عن الحظر الكامل لمحركات البنزين والديزل بحلول 2035، مكتفيًا بخفض كبير للانبعاثات بدل الإلغاء التام. هذا التراجع، الذي أثار انتقادات واسعة من جماعات البيئة ومن بعض ممثلي الصناعة، يعكس حجم الضغوط التي تواجهها بروكسل للحفاظ على تنافسية قطاع السيارات في ظل التحولات العالمية السريعة.

ويرى خبراء أن مستقبل صناعة السيارات الأوروبية، ولا سيما الألمانية، بات مرتبطًا بشكل وثيق بالسوق الصينية، مؤكدين أن الحل لا يكمن في الانعزال أو التراجع عن التحول الكهربائي، بل في مواجهة المنافسة مباشرة عبر تطوير منتجات قادرة على الصمود في أكثر الأسواق صعوبة. وفي ظل هذه المعادلة، تبدو السنوات المقبلة حاسمة لمستقبل واحدة من أهم الصناعات في أوروبا.