advertisment

رئيس مجلس الإدارة و التحرير
نجلاء كمال

بالصور: دفن 54 جثـ.ـمانا لفلسطينيين تسلمتهم وزارة الصحة في غـ.ـزة من إسرائيل

مصطفى علوان

الأربعاء, 22 أكتوبر, 2025

07:14 م

شهد قطاع غزة يوم الأربعاء مشهدًا إنسانيًا بالغ القسوة، حين ودّعت وزارة الصحة 54 جثمانًا لفلسطينيين تسلّمتهم من سلطات الاحتلال الإسرائيلي عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر، بعد احتجاز استمر قرابة عامين، دون أن يتمكن ذووهم من معرفة مصيرهم أو التعرف على هوياتهم.

خيم الحزن على أجواء مستشفى ناصر الطبي في خان يونس، حيث أدى الأهالي صلاة الجنازة على الجثامين التي وصل بعضها في حالة متحللة، وعليها آثار واضحة للتعذيب، بينما كشفت مصادر طبية أن منهم من أُعدِم رميًا بالرصاص، ومنهم من قضى تحت التعذيب أو نتيجة الإصابات البالغة أثناء الاعتقال، فيما لم يُرفق الاحتلال أي بيانات أو سجلات بأسمائهم أو أماكن احتجازهم قبل الوفاة.

عقب الصلاة، نُقلت الجثامين إلى مقبرة جماعية بمدينة دير البلح وسط قطاع غزة، حيث وُوريت الثرى وسط مشاعر اختلط فيها الألم بالغضب، بينما حملت كل نعوشهم أرقامًا فقط بدلًا من الأسماء، في إشارة إلى المجهولية التي رافقتهم حتى بعد الموت.

وأكدت وزارة الصحة الفلسطينية أن الجثامين سُلّمت من الجانب الإسرائيلي دون وثائق تعريفية، موضحة أن عملية التسليم تمت في إطار صفقة تبادل جثث، إلا أن هوية معظم الضحايا لا تزال غير معروفة، بسبب التشوه الشديد الذي لحق ببعض الجثث أو غياب العينات الوراثية التي يمكن من خلالها التعرف عليهم.

وقالت مصادر طبية في غزة إن بعض الجثث بدت عليها علامات إطلاق نار مباشر من مسافة قريبة، وأخرى تحمل آثار تقييد وتعذيب بدني، وهو ما يعزز الشكوك بأن عددًا من هؤلاء الشهداء تم إعدامهم ميدانيًا أثناء الاعتقال أو بعده، في انتهاك صارخ لأحكام القانون الدولي الإنساني.

في السياق ذاته، صرّح الدكتور جهاد أبو لحية، أستاذ القانون والنظم السياسية، أن ما جرى يمثل "جريمة مضاعفة"، موضحًا أن تسليم جثث تحمل آثار تعذيب أو قتل مباشر دون تحقيق رسمي يُعد انتهاكًا واضحًا لاتفاقيات جنيف التي تلزم أطراف النزاع بالحفاظ على كرامة الموتى وتوثيق هوياتهم.

وأضاف أن هذه الواقعة ليست الأولى، إذ سبق أن سلّمت إسرائيل عشرات الجثامين في ظروف مماثلة، بعضها داخل حاويات مغلقة ودون أي بيانات، واصفًا ما يجري بأنه "نظام ممنهج لإخفاء الجريمة وتحويل الضحايا إلى أرقام بلا ملامح".

وطالب أبو لحية المجتمع الدولي بفتح تحقيق دولي عاجل بإشراف الأمم المتحدة، للتحقق من ظروف وفاة هؤلاء الفلسطينيين، والوقوف على مدى تورط الاحتلال في عمليات إعدام ميداني أو تعذيب ممنهج داخل السجون ومراكز الاحتجاز.

كما دعا إلى إجراء فحوصات الحمض النووي لجميع الجثث بإشراف خبراء دوليين لتحديد هوياتهم وتمكين عائلاتهم من وداعهم ودفنهم بكرامة، مشيرًا إلى أن “دفنهم بلا أسماء لا يعني نهاية القصة، بل بداية لمعركة إنسانية من أجل الحقيقة”.

من جانبه، شدد متحدث باسم وزارة الصحة في غزة على أن "كل جثمان دُفن اليوم هو شاهد على جريمة جديدة تُضاف إلى سجل طويل من الانتهاكات"، مضيفًا أن الوزارة ستواصل العمل بالتعاون مع الصليب الأحمر والجهات الحقوقية لتوثيق كل حالة وصول من هذا النوع، تمهيدًا لتقديمها أمام المحاكم الدولية.

واختُتمت مراسم الدفن وسط مشهد صامت إلا من صوت التكبيرات والدموع، حيث غابت الأسماء وبقيت الأرقام محفورة على الألواح الخشبية فوق القبور.

وفيما كانت الجرافات تُهيل التراب على النعوش، ظل سؤال واحد يتردّد بين الحاضرين: كم من الفلسطينيين ما زالوا ينتظرون أن تعود إليهم أسماءهم بعد أن سُلبت منهم حتى في الموت؟

ImageImageImageImage