"لبسناهم الكاستور وودعناهم مكسورين".. جملة أصبحت جزءًا من الذاكرة الوطنية للمصريين، تُقال بفخر كلما ذُكر نصر أكتوبر 1973، لكنها ليست مجرد مثل شعبي، بل حكاية حقيقية حملت في طياتها رسالة عميقة عن الكرامة المصرية والانتصار المعنوي على العدو.
من مصانع المحلة إلى جبهة الحرب
تعود القصة إلى مصانع الغزل والنسيج بمدينة المحلة الكبرى، التي كانت تنتج نوعًا من الأقمشة يعرف باسم "الكاستور"، يُستخدم في صناعة الملابس الداخلية والبيجامات البسيطة التي ارتبطت ببيوت المصريين لسنوات طويلة. لم يكن أحد يتخيل أن هذا القماش الشعبي سيصبح يومًا شاهدًا على واحدة من أذكى لحظات الحرب النفسية في التاريخ المعاصر.
بعد انتصار القوات المسلحة المصرية في حرب أكتوبر وتحطيم خط بارليف، تم أسر الآلاف من الجنود الإسرائيليين. ومع بدء الترتيبات لإعادتهم إلى بلادهم، أصدر الرئيس الراحل أنور السادات قرارًا رمزيًا لكنه بالغ التأثير: أن يعود الأسرى إلى إسرائيل مرتدين البيجامة الكاستور المصرية.
رسالة نصر تتجاوز الميدان
كان القرار بسيطًا في مظهره، لكنه شديد العمق في معناه. الجنود الإسرائيليون الذين طالما رددوا أن جيشهم "لا يُقهر"، عادوا إلى بلادهم لا بزيهم العسكري، بل بملابس داخلية صنعتها أيادٍ مصرية في مصانع مدنية.
هذا المشهد وحده كان كافيًا ليهز ثقة العدو بنفسه، ويُظهر أمام العالم أن مصر لم تنتصر فقط بالسلاح، بل بالكرامة والإبداع والعمل.
البيجامة الكاستور لم تكن مجرد ملابس، بل رمزًا لهيبة مصر التي استعادت أرضها وكرامتها بعرق أبنائها من الجندي على الجبهة إلى العامل في المصنع.
رمز باقٍ في الذاكرة الوطنية
تحولت قصة الكاستور إلى واحدة من العلامات الفارقة في التاريخ الشعبي لنصر أكتوبر، وظلت تتناقلها الأجيال بوصفها درسًا في الكبرياء الوطني.
فكل غرزة في هذا القماش كانت تحكي عن صبر عامل، وعن يد مصرية تسهم في صناعة النصر من موقعها.
لقد أثبتت مصر في تلك اللحظة أن النصر لا يُقاس فقط بعدد الدبابات والطائرات، بل بقدرتها على تحويل أبسط التفاصيل إلى رموز للكرامة والعزة.
ومنذ ذلك اليوم، بقيت البيجامة الكاستور شاهدًا على أن مصر حين تنتصر، تفعلها بكامل روحها.. من المصنع إلى الميدان.