في مشهد يُلخص عمق المأساة التي يعيشها قطاع غزة تحت وطأة الحصار والتجويع، ارتقى الدكتور عمر حرب، أحد أبرز أساتذة الجامعات في مدينة رفح ووجه من وجوهها المعروفة، شهيدًا بفعل الجوع، بعد معاناة طويلة مع سوء التغذية ومضاعفات صحية متراكمة، داخل مستشفى ناصر بمدينة خان يونس.
الدكتور عمر، الذي كان يومًا منارات الفكر والعلم في الجنوب، فقد زوجته وأبناءه في قصف إسرائيلي قبل عدة أشهر. ورغم الجراح النازفة، ظل صامدًا، إلا أن الفقد والوحدة والجوع اجتمعت عليه، فأنهكته حتى الرمق الأخير.
القطاع تحت الحصار.. والغذاء تحت السيطرة
ورغم دخول ما يقرب من 100 شاحنة مساعدات يوميًا إلى قطاع غزة، إلا أن تلك الكميات، بحسب ناشطين ومراقبين، لا تفي باحتياجات السكان المحاصرين، وغالبًا ما تكون محمّلة بـ معلبات ضعيفة القيمة الغذائية، في وقت يتحكم فيه الاحتلال الإسرائيلي بكميات وسعرات الغذاء المسموح بها، ضمن سياسة توصف بأنها "إدارة الجوع" دون بلوغ حد المجاعة التامة.
ويشير ناشط فلسطيني إلى أن هذا التحكم يشمل حتى تحديد السعرات الحرارية المخصصة لكل فرد في القطاع، في سابقة تُعد من أقسى أشكال العقاب الجماعي في العصر الحديث.
الفئات الأكثر تضررًا.. المرضى والأطفال أول الضحايا
وفقًا لتقارير طبية محلية، فإن من يموت جوعًا في غزة هم في الغالب من أصحاب الأمراض المزمنة، أو أولئك الذين تراجعت صحتهم بشكل كبير بسبب انقطاع الغذاء، وعلى رأسهم الأطفال. أجسادٌ ضمرت، ومناعات ضعُفت، وأجهزة حيوية فشلت في الصمود أمام نقص الغذاء والدواء.
أكاديمي عاش للعلم ومات من الجوع
لم يكن الدكتور عمر حرب مجرد أكاديمي، بل كان رمزًا للمثقف الفلسطيني المقاوم بالمعرفة، حاضرًا في المشهد التربوي والاجتماعي في رفح، وفاعلًا في قضايا وطنه حتى آخر أيامه. لكن الحياة في غزة، التي تخنقها الحرب والحصار، لم تمنحه حتى حق البقاء بكرامة بعد فقد أحبائه.
اليوم، يودع قطاع غزة رجلًا مات من الجوع في القرن الحادي والعشرين، بينما العالم يكتفي بالمراقبة، وتغيب المساءلة، وتُطوى أسماء الشهداء من ضحايا الموت البطيء واحدًا تلو الآخر، بصمتٍ قاسٍ يطرق أبواب الضمير الإنساني.