احتفل رئيس الوزراء الماليزي الأسبق، مهاتير محمد، يوم الخميس، ببلوغه عامه المئة، ليصبح بذلك أكبر سياسي مُعمّر في تاريخ البلاد الحديث، وأكثر من شغل منصب رئيس الوزراء سنًّا وزمنًا، وسط احتفاء واسع بمسيرته السياسية والاقتصادية، التي لا تزال محور جدل بين مؤيديه ومنتقديه.
وفي بودكاست خاص بمناسبة بلوغه المئة، قال مهاتير، الذي احتفظ بصفائه الذهني ونشاطه الملحوظ: "أنْ يبلغ المرء عامه المئة، يا له من أمر مرعب!"، مسترجعًا محطات فارقة في تاريخ ماليزيا الذي ساهم في تشكيله.
ورأى مراقبون أن مجرد بلوغه هذا السن المتقدم، مع استمراره في التأثير والتفاعل، يُعد إنجازًا مضافًا لمسيرة حافلة، خصوصًا بالنظر إلى تاريخه الصحي، إذ خضع لجراحتين في القلب في الخمسينيات من عمره. ويعزو مهاتير حالته الصحية الجيدة إلى كونه طبيبًا سابقًا، وإلى إقلاعه المبكر عن التدخين والاعتدال في الطعام.
"كبير المنطقة" الذي غيّر وجه ماليزيا
قضى مهاتير 24 عامًا في السلطة، من أصل 44 عامًا قضاها في قلب السياسة الماليزية. تولّى رئاسة الوزراء لأول مرة عام 1981 وحتى 2003، ثم عاد إلى المنصب عام 2018 وهو في سن الـ92، بعد فوز مفاجئ ضد حلفائه السابقين.
ويُحسب لمهاتير دوره البارز في تحويل ماليزيا من دولة زراعية إلى دولة صناعية حديثة، عبر سياسات إصلاح اقتصادي طموحة، وبنية تحتية متطورة، وزيادة ميزانية التعليم والبحث العلمي. وارتفع نصيب الفرد من الناتج المحلي خلال عهده، مما أكسبه شعبية واسعة، ولقب "كبير المنطقة" الذي يردّده الماليزيون بفخر.
لكن.. إرث سياسي محل جدل
على الجانب الآخر، يواجه مهاتير انتقادات حادة على خلفية سياساته التي اتُّهمت بتكريس المحسوبية والتضييق على الحريات. كما تعرض لاتهامات بعدم مراعاة حقوق الإنسان، لا سيما في تعامله مع المعارضة السياسية خلال سنوات حكمه.
وتتهمه بعض الأصوات بتغليب عرقية الملايو على حساب بقية مكونات المجتمع الماليزي، الذي يضم أيضًا الصينيين والهنود، لكل منهم لغته وأحزابه السياسية. وقد تجلّت بعض ملامح هذا الجدل في كتابه "معضلة الملايو"، الذي نشره في أعقاب طرده من الحزب عام 1969، قبل أن يُعاد ضمّه لاحقًا ويصعد في سلم السلطة.
كما طاله الجدل بسبب تصريحاته المثيرة، أبرزها تلك التي أدلى بها في أكتوبر 2003، حين قال إن "اليهود يحكمون العالم بالوكالة"، وهي التصريحات التي قوبلت بإدانة عالمية. لكنه دافع عنها قائلاً: "الهجوم الذي تعرضت له يثبت صحة ما قلت."
من طبيب شاب إلى رجل الدولة الأول
وُلد مهاتير محمد في يوليو 1925 بمدينة ألور ستار بولاية قدح، ودرس الطب في سنغافورة. دخل عالم السياسة من بوابة "المنظمة الوطنية الماليزية المتحدة – أمنو" عام 1946، وشغل أول مقعد برلماني عام 1964. وبعد عقود من الأدوار الحزبية والحكومية، تولّى رئاسة الوزراء عام 1981 ليقود البلاد في واحدة من أكثر الفترات تحوّلًا في تاريخها.
ورغم خسارته مقعده البرلماني عام 2022، لا يزال مهاتير يحتفظ بحضوره في المشهد السياسي الماليزي، ويعبّر عن رؤاه الوطنية، ويثير الانقسام حول إرثه حتى اليوم.
وفي تعليق لافت على موقع مالاي ميل، كتب الصحفي برابا غانيسان: "يمكن أن تحبّ مهاتير أو تكرهه، لكن من المستحيل أن تنكر أنه أول سوبرمان في تاريخ ماليزيا."