في ظل أزمة متفاقمة في قطاع الطاقة، تواجه مصر ضغوطًا متزايدة بعد انقطاع جزء كبير من إمدادات الغاز القادمة من إسرائيل، ما دفعها إلى اتخاذ إجراءات طارئة لتأمين احتياجاتها المحلية، في الوقت الذي تواصل فيه تصدير الغاز والكهرباء إلى الأردن، تنفيذًا لاتفاقيات سابقة.
تراجع الإمدادات الإسرائيلية وتأثيرها على السوق المصري
تسببت التوترات الأخيرة بين إسرائيل وإيران في توقف إمدادات الغاز الإسرائيلي إلى مصر، بعد إغلاق حقل "ليفياثان" البحري، الذي كانت مصر تعتمد عليه في تغطية ما بين 40-60% من وارداتها، وهو ما يعادل حوالي 15-20% من استهلاكها المحلي. وقد أدى ذلك إلى أزمة في قطاعي الكهرباء والبترول، دفعت الحكومة المصرية إلى تفعيل خطة طوارئ تضمنت وقف إمدادات الغاز للقطاع الصناعي، واللجوء إلى مصادر بديلة مثل المازوت.
استمرار تصدير الغاز والكهرباء للأردن رغم الأزمة
رغم الوضع الداخلي المتأزم، بدأت مصر ضخ نحو 100 مليون قدم مكعب من الغاز يوميًا إلى الأردن لتعويض النقص الناتج عن توقف الإمدادات الإسرائيلية هناك، كما رفعت حجم الكهرباء المصدرة للأردن إلى 400 ميغاواط يوميًا، مقارنة بـ100-200 ميغاواط قبل اندلاع الأزمة.
ويرجع هذا الالتزام إلى اتفاقيات مسبقة تم توقيعها بين البلدين في ديسمبر الماضي، تنص على تزويد الأردن بالغاز المسال حتى نهاية 2026 عبر خطوط أنابيب مباشرة، في مقابل عائد دولاري مجدٍ اقتصاديًا لمصر.
أبعاد الاتفاقية مع الأردن: شراكة استراتيجية وتوفير بدائل
الاتفاقية المبرمة بين مصر والأردن تتيح للأردن الاستفادة من البنية التحتية المصرية لتسييل الغاز، مقابل تزويد مصر بسفينة تغويز. كما تهدف إلى تخفيض الكلفة التشغيلية لميناء العقبة، وتأمين بديل مرن لتوفير احتياجات الأردن من الغاز الطبيعي المسال في حالات الطوارئ، إلى حين اكتمال مشروع ميناء الغاز الجديد المتوقع في أواخر 2026.
التقديرات تشير إلى أن كلفة الغاز المسال للأردن لن تتجاوز 10 ملايين دولار سنويًا، مقارنة بتكاليف سنوية تتعدى 70 مليون دولار لتشغيل ميناء الغاز في العقبة، ما يبرز الأهمية الاقتصادية للاتفاق من جانب عمان.
تحركات حكومية لتأمين الطاقة داخليًا
أكد وزير البترول والثروة المعدنية أن الحكومة بدأت في تنفيذ خطة شاملة لتأمين احتياجات القطاعات المختلفة، وعلى رأسها الكهرباء، من خلال تشغيل ثلاث سفن تغويز بطاقة تصل إلى 2.25 مليار قدم مكعب يوميًا بحلول يوليو، بالإضافة إلى تجهيز سفينة رابعة للاحتياط.
الحكومة تتفاوض أيضًا مع عدد من الدول المصدرة للغاز، بينها قطر والسعودية والجزائر وإسبانيا، لتأمين شحنات بديلة، مع تعزيز مخزون المازوت لاستخدامه كبديل مؤقت لتوليد الكهرباء.
خبراء: التخطيط الاستباقي جيد لكن التنفيذ متعثر
يرى الدكتور وائل النحاس، الخبير الاقتصادي، أن الحكومة كانت تتوقع أزمة في الإمدادات بسبب الظروف الجيوسياسية، لكنها لم تنجح في تحويل هذه الخطط إلى واقع ملموس، مشيرًا إلى أن توقف المصانع يعكس فجوة بين التخطيط والتنفيذ.
وحذر من الاعتماد على مصدر واحد للوقود، داعيًا إلى تسريع تشغيل سفن التغويز وتوسيع نطاق البدائل المطروحة تحسبًا لأي إخلال بالتوريدات الخارجية.
دعوات لتعزيز القدرات المحلية في التنقيب والتخزين
من جهته، دعا الدكتور جمال القليوبي، أستاذ هندسة البترول والطاقة، إلى الاستثمار في التخزين الاستراتيجي للغاز والنفط، مع توسيع عمليات التنقيب في مناطق واعدة مثل البحر المتوسط ودلتا النيل.
وأكد على أهمية تنويع مصادر الطاقة، وتكثيف الشراكات الإقليمية والدولية لتقليل الاعتماد على مصدر واحد، بما يحمي البلاد من تقلبات السوق والضغوط السياسية.
مصر كمركز إقليمي للطاقة: فرصة يجب حمايتها
وسط هذه التحديات، يرى خبراء أن استمرار مصر في تنفيذ التزاماتها الإقليمية، مثل الاتفاق مع الأردن، يعزز موقعها كمركز إقليمي للطاقة، وفقًا لرؤية وزارة البترول التي تسعى لتعظيم الاستفادة من البنية التحتية المصرية، كمصانع الإسالة وموانئ وشبكات الغاز، لتحقيق الريادة في مجال الطاقة بمنطقة شرق المتوسط.
لكن نجاح هذه الاستراتيجية يبقى مرهونًا بقدرة الحكومة على تحقيق التوازن بين تلبية الطلب المحلي والحفاظ على التزاماتها الدولية، وسط بيئة إقليمية مضطربة.