نجيب الريحاني
تحل اليوم 8 يونيو ذكرى وفاة واحد من أعظم رموز الكوميديا والفن في الوطن العربي، الفنان نجيب الريحاني، الذي اشتهر بلقب "الضاحك الباكي"، لما حمله قلبه من آلام خلف ستار الضحكة العريضة، وبما تركه من أثر خالد في وجدان الجماهير من خلال مسرحياته وأفلامه التي تجاوزت حدود الزمن.
طفولة متواضعة وميلاد فنان
ولد نجيب إلياس ريحانة في 21 يناير 1889 بحي الظاهر في القاهرة لأب عراقي من أصول كلدانية وأم مصرية. نشأ في بيئة فقيرة، والتحق بالمدرسة الفرنسية "الفرير"، لكنه لم يُكمل دراسته الجامعية رغم التحاقه لفترة بكلية الزراعة. كانت حياته مليئة بالتقلبات منذ البداية، لكنه امتلك روحًا ساخرة وقدرة فطرية على التعبير عن معاناة الناس بلغة قريبة من القلب.
من كشكش بيه إلى صاحب المدرسة الواقعية في الكوميديا
بدأ نجيب الريحاني مشواره الفني في المسرح من خلال شخصية "كشكش بيه" عام 1917، وهي الشخصية التي صنع بها مجده الأول، وسخر من خلالها من الباشاوات والإقطاعيين.
لكن تحوله الأكبر جاء حين قرر ترك النمط الفج للكوميديا واستبداله بـالواقعية الاجتماعية الساخرة، فكوّن ثنائيًا شهيرًا مع الكاتب بديع خيري، وبدأ إنتاج مسرحيات تطرح قضايا المجتمع بأسلوب فكاهي ذكي.
من أبرز مسرحياته:
-
"حكم قراقوش"
-
"الدنيا على كف عفريت"
-
"30 يوم في السجن"
-
"الجنيه المصري"
السينما.. متأخرة لكنها خالدة
دخل الريحاني عالم السينما متأخرًا مقارنة بأبناء جيله، لكنه ترك فيها بصمة لا تمحى رغم أنه لم يقدّم سوى 10 أفلام فقط. من أشهرها:
-
"سلامة في خير" (1937)
-
"سي عمر" (1941)
-
"أبو حلموس" (1947)
-
"غزل البنات" (1949): آخر أفلامه وأشهرها، والذي عُرض بعد وفاته، وشاركه فيه محمد عبدالوهاب وليلى مراد وأنور وجدي.
في هذا الفيلم، قال جملته الشهيرة: "أنا قلبي كان شقي وبقى حنيّن.. يا عيني يا ليلى"
وهو المشهد الذي أصبح مرثية غير مقصودة له.
حياة خاصة مثقلة بالخسارات
رغم نجاحه الفني، عاش الريحاني حياة شخصية شديدة التعقيد. تزوج من الراقصة الألمانية لوسي دي فراديس، وأنجب منها ابنته الوحيدة جينا، التي حُرم من رؤيتها بسبب انفصاله عن زوجته، ولم يعلم بأمر وجودها إلا بعد وفاته، وهو ما زاد من حدة مأساته الإنسانية.
عانى من الاكتئاب والإفلاس في بعض الفترات، وكتب في مذكراته كلمات مؤثرة تعكس حجم الألم الذي كان يعيشه، أبرزها: "كنت أُضحك الناس بينما أنا من الداخل أنزف"
نهاية مفجعة
في صيف عام 1949، وبينما كان يستعد لحضور العرض الأول لفيلم "غزل البنات"، أصيب الريحاني بـحمى التيفوئيد. دخل المستشفى، لكن خطأً طبيًا فادحًا تمثل في إعطائه جرعة زائدة من دواء أوقف قلبه، ليرحل في 8 يونيو 1949، عن عمر ناهز 60 عامًا.
شيّعته القاهرة في جنازة مهيبة خرجت من شارع عماد الدين، وشارك فيها كبار الفنانين وعشرات الآلاف من المحبين، الذين بكوا الضاحك الباكي الذي قدّم لهم الضحك واحتفظ بالحزن لنفسه.
إرثه الفني
لا يزال نجيب الريحاني حيًا في ذاكرة المسرح العربي. تُعرض أعماله حتى اليوم، وتُدرّس شخصياته ونصوصه في المعاهد الفنية، ويُعد من أبرز من مهدوا الطريق للمدرسة الواقعية في الكوميديا المصرية والعربية.
في عام 2022، أعلن وزير الثقافة المصري عن إطلاق اسم الريحاني على أحد المسارح الكبرى تكريمًا لإسهاماته الخالدة.
في كلماته الأخيرة.. اختصر كل شيء
"أنا ضيّعت حياتي في الهزار.. لكن الهزار علّمني إن الضحك أصدق وسيلة نقول بها الحقيقة"