advertisment

رئيس مجلس الإدارة و التحرير
نجلاء كمال

سنن وأذكار النوم .. احرص عليها

محمد يوسف

الخميس, 15 مايو, 2025

10:16 م

يعدّ النوم من النعم الكبرى التي امتنّ الله بها على عباده، وقد ورد ذكره في القرآن الكريم كآية من آيات الله التي تدل على عظيم قدرته ورحمته بخلقه، حيث قال تعالى: "ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون". فالنوم ليس مجرد عادة بيولوجية، بل هو مظهر من مظاهر التنظيم الإلهي لحياة الإنسان بين نشاط وسكون، بين حركة وسكينة، بين كسب وراحة.

نوم الليل أصلٌ والنوم في النهار فرعٌ
أوضح القرآن الكريم أن الليل جُعل للسكن والراحة، بينما النهار جُعل للحركة والعمل وطلب المعاش، فقال تعالى: "وهو الذي جعل لكم الليل لباسًا والنوم سباتًا وجعل النهار نشورًا". فالنوم في الليل هو الأصل في النظام الإلهي، إذ فيه تهدأ الأجساد وتستريح النفوس، بينما النهار هو وقت الانتشار والسعي. وهذا التوازن بين العمل والراحة هو من تدبير الله الحكيم، كما في قوله تعالى: "ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرًا إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون".

تفسير ابن كثير: النوم آية لراحة الجسد وانطلاق النشاط
فسّر الإمام ابن كثير – رحمه الله – هذه الآيات بقوله إن من الآيات التي بثّها الله في الكون هو ما جعله من صفة النوم في الليل والنهار، ففيه تنال الأجساد الراحة، وتسكن الحركة، ويزول التعب، ويأتي النهار بعده بالانتشار في مناكب الأرض، والسعي في طلب الرزق. فالنوم نقيض الحركة، وهو ضرورة لا غنى عنها لبقاء الحياة.

أدعية النوم النبوية: كنوز روحية تحفظ البدن والروح
لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يغفل عن هذا الجانب الإنساني المهم، فسنّ لأمته عددًا من الأذكار والأدعية التي تُقال عند النوم، لتكون سببًا في حفظ النفس وسكينة القلب، وذكر الله قبل المنام هو أحد أبواب الطمأنينة.

من هذه الأدعية ما رواه البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول حين يأوي إلى فراشه: "اللهم باسمك أحيا وأموت"، وإذا استيقظ قال: "الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور".

كما علّم النبي صلى الله عليه وسلم ابنته فاطمة وزوجها عليًّا أن يسبّحا ويكبّرا ويحمدا الله قبل النوم، لما في ذلك من بركة عظيمة. وقد ورد أيضًا أنه كان يجمع كفيه وينفث فيهما ويقرأ المعوذات، ثم يمسح جسده بهما، في تكرار ثلاثي فيه تحصين وحماية.

ومن أعظم ما ورد في السنة، تلاوة الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه". وقد فُسّر هذا بأنهما تكفيان العبد من الشيطان ومن كل مكروه.

النوم على طهارة وتوحيد: سُنة نبوية تؤصّل للسلام الداخلي
حثّ النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين على أن يناموا على طهارة، وأن يضطجعوا على الجانب الأيمن، ويذكروا الله بأدعية عظيمة من بينها: "اللهم أسلمت نفسي إليك، وفوّضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك..."، وهو دعاء يجمع بين التوحيد والتوكل الكامل على الله، ويجعل المسلم ينام مطمئنًّا على فطرته.

كذلك، أوصى صلى الله عليه وسلم بقراءة آية الكرسي قبل النوم، مبينًا أن من قرأها يكون محفوظًا من الشيطان حتى يصبح، كما في حديث أبي هريرة الذي قال له النبي صلى الله عليه وسلم: "صدقك وهو كذوب. ذاك الشيطان"، حين أخبره أن الشيطان علّمه هذه الآية.

دعاء شامل وجامع: استعاذة بالله من الشر والفقر والدين
ومن أروع الأدعية النبوية عند النوم ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "اللهم رب السماوات ورب الأرض ورب العرش العظيم..."، وهو دعاء يبرز فقر العبد إلى الله، واستعانته به في كل شؤونه، من الدين إلى الفقر إلى دفع الشر.

كما حثّ النبي صلى الله عليه وسلم على قراءة سورة "قل يا أيها الكافرون" قبل النوم، وبيّن أنها براءة من الشرك، لما فيها من إعلان البراءة من عبادة غير الله وتثبيت للتوحيد.

الخاتمة: نومٌ على ذكر الله... راحةٌ وسكينةٌ وأمان
هكذا يظهر أن النوم في الإسلام ليس مجرد حاجة جسدية، بل هو لحظة اتصال بالله، لحظة تسليم وطمأنينة، يهيّئ فيها الإنسان نفسه للراحة الجسدية والسلام الروحي. وقد ترك لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تراثًا من الأذكار والدعوات التي تجعل من النوم عبادة وقربة، ومصدرًا للأمان في الدنيا، والنجاة في الآخرة.