advertisment

رئيس مجلس الإدارة و التحرير
نجلاء كمال

9 مايو.. ذكرى ميلاد ووفاة "قيثارة السماء" الشيخ محمد رفعت

عبد الله مفتاح

الجمعة, 9 مايو, 2025

02:41 م

الشيخ محمد رفعت

كتبه التاريخ صوتًا من السماء، فبقي خالدًا رغم الغياب.. إنه الشيخ محمد رفعت، صوت ترتل به القلوب قبل أن تسمعه الآذان، وواحد من أعظم مقرئي القرآن الكريم في تاريخ العالم الإسلامي، ولد في مثل هذا اليوم 9 مايو 1882، ورحل في اليوم ذاته عام 1950، وكأن القدر أراد أن يجعل من يوم ميلاده شاهدًا على حياته ومماته معًا.

البدايات.. نورٌ يشرق من حي المغربلين

ولد محمد رفعت في حي "المغربلين" بالقاهرة، وكان والده يعمل مأمورًا بقسم شرطة الخليفة، لكنه توفي وهو في التاسعة من عمره، فتولت والدته تربيته، لتغرس في قلبه حب القرآن، حتى أتم حفظه في سن مبكرة لم تتجاوز العاشرة، وهو ما كان بمثابة انطلاقة لمسيرة نورانية لم يشهد لها الزمان مثيلاً.

في جامع فاضل باشا بدرب الجماميز، وقف الطفل محمد رفعت يقرأ القرآن للمرة الأولى بعد وفاة والده، وكانت أولى خطواته نحو القلوب قبل الميكروفونات، يلتف الناس من حوله مذهولين من صوته المميز الذي كان يحمل رهبة القدسية وحنان الأبوة في آنٍ واحد.

قيثارة السماء.. وعبقرية الأداء

لقّبه الناس بـ"قيثارة السماء"، و"صوت الملائكة"، لما لصوته من تأثير آسر وشفافية روحانية تلامس أعماق النفس، حتى أن الأديب اللبناني ميخائيل نعيمة قال عنه: "إذا أردت أن تعرف كيف ينزل الوحي، فاستمع إلى محمد رفعت وهو يقرأ القرآن".

امتاز الشيخ رفعت بأسلوب فريد في التلاوة، جمع فيه بين قوة الأداء وصدق الإحساس، فكان صوته ينساب برقة ليصل إلى عمق القلب، لا بعلو النغمة بل بخشوعها، ولا بزخرفة المقامات بل بصدق التجلي، حتى قيل عنه: "كان يتلو القرآن وكأنه يناجي ربه".

الصوت الذي افتتحت به إذاعة القرآن

في عام 1934، اختير الشيخ محمد رفعت ليكون أول صوت يفتتح به بث الإذاعة المصرية الرسمية، فصدح بصوته الخاشع: {وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانًا نصيرًا}، لتصبح هذه التلاوة أيقونة البدايات، وبصمة لا تُمحى في ذاكرة الإعلام العربي والديني.

رفض رفعت تلقي الأجر على قراءته للقرآن، وامتنع عن تسجيل صوته في أسطوانات تجارية رغم العروض المغرية من كبريات الشركات الأجنبية، قائلاً: "أأبيع كلام الله؟!". كان يقرأ القرآن لله وحده، وكان يراها رسالة وليست مهنة.

محنة المرض وصمت الصوت

في أواخر حياته، ابتُلي الشيخ رفعت بمرض سرطان الحنجرة، وهو ابتلاء صعب لمقرئ كان صوته سر حياته، فعاش صابرًا محتسبًا، لم يطلب المساعدة من أحد، ورفض أن يُعالج على نفقة الدولة، حتى وافته المنية صباح يوم الثلاثاء 9 مايو 1950، عن عمر ناهز 68 عامًا، في نفس اليوم الذي وُلد فيه.

رحل الصوت، وبقيت الروح تتردد في الأثير، فلا تزال تسجيلاته القديمة، رغم قلتها، تُبث عبر الإذاعات حتى اليوم، لتبقى آية من آيات الجمال السماوي في تلاوة القرآن.

إرث خالد.. وذكرى لا تغيب

الشيخ محمد رفعت ليس مجرد قارئ قرآن؛ بل هو مدرسة فنية وروحية متكاملة، تأثر به كثير من القرّاء بعده، وكان قدوة في الإخلاص والورع والالتزام. وقد كتبت عنه الصحف الغربية والعربية على حد سواء، ولقبته بعض الصحف البريطانية بـ"الصوت الذهبي للإسلام".

وفي ذكراه، يتجدد الحديث عن صوتٍ لم يكن فقط يُطرب الأذان، بل كان يهدي الأرواح ويُسكب على القلوب برد الطمأنينة.