ودّعت قرية دير البرشا بمحافظة المنيا، أمس الإثنين 17 مارس 2025، رجلًا استثنائيًا ونموذجًا فريدًا في العطاء، هو العم رحبعام معزوز، المعروف بين أهالي مركز ملوي بلقب "طبيب الغلابة"، عن عمر ناهز 89 عامًا. كان الراحل رمزًا للرحمة والإنسانية، وكرّس حياته لخدمة المرضى والفقراء لأكثر من خمسة عقود، مقدّمًا الرعاية الطبية دون مقابل لمن يحتاجها، ليصبح مصدر أمان واطمئنان لكل من لجأ إليه طلبًا للعلاج.
رحلة العطاء.. من ساحات الحرب إلى شفاء الفقراء
بدأت رحلة العم رحبعام مع الطب والتمريض عام 1956، خلال العدوان الثلاثي على مصر، حيث كان مجندًا في الجيش المصري. وخلال خدمته، قرّر أن يتعلّم فنون التمريض، فتلقى تدريبات مكثفة في مستشفى رأس التين بالإسكندرية، واكتسب خبرة واسعة في التعامل مع إصابات الحرب والطوارئ، ليصبح لاحقًا "باش حكيم"، وهو اللقب الذي منحه له زملاؤه في الجيش تقديرًا لكفاءته وتميّزه.

بعد انتهاء خدمته العسكرية، عاد إلى قريته دير البرشا ليبدأ رحلة جديدة من العطاء الطبي، حيث تحوّل من مزارع بسيط إلى ممرض بارع، يخدم أهل قريته والقرى المجاورة، مثل دير أبوحنس، البياضية، نزلة البرشا، الريرمون، الشيخ عبادة، والروضة.
رحلة احترافية في الخارج قبل العودة إلى خدمة أهل قريته
في عام 1982، سافر العم رحبعام للعمل كممرض في إحدى المستشفيات بالعراق، حيث اكتسب خبرة إضافية في التعامل مع المرضى وأساليب التمريض الحديثة. وبعد عام، عاد إلى بلدته، ليواصل رسالته الإنسانية في تقديم العلاج والمساعدة لأبناء قريته والقرى المجاورة، مؤمنًا بأن الطب رسالة إنسانية أكثر من كونه مهنة.
طبيب الغلابة.. أبواب مفتوحة في كل وقت
لم يكن العم رحبعام يومًا طبيبًا رسميًا، لكنه كان الملاذ الأول لسكان ملوي والقرى المحيطة، الذين اعتادوا اللجوء إليه قبل زيارة أي طبيب مختص. لم يغلق بابه في وجه مريض، حتى لو كان الوقت متأخرًا، وكان يُقدّم الإسعافات الأولية والعلاجات الأساسية، ويوجّه المرضى إلى الأطباء المختصين عند الحاجة.
اكتسب الراحل مكانة كبيرة في قلوب الناس، ليس فقط بمهارته الطبية، ولكن أيضًا بطيبة قلبه ومعاملته الودودة للمرضى، حتى بات اسمه مرادفًا للعطاء دون مقابل.
وداعًا عم رحبعام.. ستبقى في قلوبنا
برحيله، فقدت ملوي رمزًا من رموز الإنسانية، لكن ذكراه ستظل خالدة في قلوب من عرفوه، فقد كان نموذجًا مشرفًا للإيثار والتضحية. سيبقى العم رحبعام حاضرًا رغم الغياب، وقدوة مضيئة في سجل أبناء مصر الذين بذلوا كل ما يملكون لخدمة بلدهم وأبنائها. رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.