مقترح يائير لابيد بشأن غزة ليس مجرد فكرة عابرة، بل خطوة تحمل أبعادًا خطيرة تتجاوز الظاهر. الفكرة التي طرحها، بأن تتولى مصر مسؤولية القطاع لمدة 15 عامًا مقابل إسقاط كل ديونها، ليست فقط محاولة لوضع مصر في صدام مباشر مع حماس، أو إنهاكها اقتصاديًا على المدى المتوسط والطويل، وإنما هي جزء من استراتيجية أوسع تستخدم الاقتصاد كورقة ضغط لإعادة رسم التوازنات الإقليمية.
هذه الفكرة تقطع الطريق أمام أي حل قائم على “الدولتين”، وتحول الصراع الفلسطيني الإسرائيلي إلى شأن مصري داخلي. مصر التي قاومت لعقود محاولات توطين الفلسطينيين خارج أرضهم، تجد نفسها اليوم أمام مقترح يُغريها ماليًا لكنه يضعها في مأزق سياسي وأمني لا نهاية له. لكن الأخطر أن هذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها التلويح بمثل هذه العروض، فقد اعتاد الغرب وإسرائيل استخدام الاقتصاد، وتحديدًا ملف الديون، كوسيلة لانتزاع تنازلات استراتيجية ومساومات وابتزاز .
الاقتصاد كسلاح سياسي.. كيف تم إسقاط ديون مصر في حرب الخليج؟
في 1991 شاركت مصر في التحالف الدولي ضد العراق بقيادة الولايات المتحدة خلال حرب الخليج الثانية. وقتها كانت القاهرة غارقة في الديون، ومع ارتفاع تكلفة الحرب واحتياج واشنطن لدعم إقليمي، تم تقديم عرض مغرٍ لمصر: إسقاط جزء كبير من ديونها الخارجية مقابل دعم التدخل العسكري ضد صدام حسين.
وبالفعل، بعد انتهاء الحرب، وافقت مجموعة الدول السبع الكبرى (G7) ونادي باريس على إعفاء مصر من نصف ديونها الخارجية، التي بلغت حينها نحو 50 مليار دولار، أي ما يعادل 25 مليار دولار تم إسقاطها. هذه الخطوة لم تكن مجرد مكافأة، بل كانت جزءًا من لعبة توازنات دولية، حيث أرادت واشنطن وحلفاؤها ضمان عدم خروج مصر عن المسار الذي يخدم مصالحهم ، وضمان تعزيز تواجدها عسكريا في المنطقة .
وقبل ذلك بكثير سنجد تاريخنا مليئ بالمساومات والضغوط المستمرة مما أثر في قدرتنا في الصراعات الدولية الكبرى ومحطات ذلك كثيرة حتى في فترة التحرر الوطني والخطاب التقدمي لعبد الناصر والتي بدأت باحتياجه للسلاح ونظرا لسياساته الرافضة للتحالفات واتباعه سياسات عدم الإنحياز لم تمده بريطانية وأمريكا فاتجه للمعسكر الشرقي وعقد صفقة الأسلحة التشيكية ، والتحدي الأكبر عندما أراد بناء السد العالي ورفض البنك الدولي تسليفه لإقامة هذا المشروع.
وللأسف الشديد رغم مبدأ عدم الانحياز ، وشعارات الاستقلال الوطني إلا أن اعتماد مصر الكامل على استيراد السلاح من الاتحاد السوفيتي- والذي كان يأتي بالمقايضة (تصدير سلع زراعية مقابل سلاح )- واعتماد شبه كامل على الولايات المتحدة الأمريكية مصدرا للقمح أفرغ شعارات الاستقلال الوطني وعدم الانحياز من محتواها الحقيقي وأصبحنا طوال الوقت رقابنا تحت مقصلة كلا من السوفيت والأمريكان في سنوات الحرب الباردة .
وتحت شعارات الاستقلال الوطني لم يكن اللجوء قاصرا فقط على كلا من السوفيت وأمريكا با لجأ ناصر للصين وأقترض ٨٠ مليون دولار ، وألمانيا الشرقية وأقترض ١٠٠ مليون دولار ، ومن فرنسا حصلنا على ما قيمته مساعدات وقمح ٥٠ مليون دولار.
إن التبعية المزدوجة بين السوفيت وأمريكا لم تنقذنا من هزيمة ١٩٦٧ ولم يكن سلاح السوفيت شفيعا لنا عندهم بأن لا يشاركوا في نصب الفخاخ لنا ، وإن كان المسئولية الأكبر سياسيا تقع على صاحب القرار في مصر ، وظللنا تحت مقصلة السلاح في سنوات الحرب من أجل التحرير ولم يمنحنا السوفيت سلاحا نستطيع أن نخوض به حرب هجومية أو يضعنا على قدم المساواة أمام إسرائيل .
وحتى بعد إنتصار أكتوبر - الذي أوقفته أمريكا بدخولها بجسر جوي - لم يتمكن السادات بمقولته ٩٩٪ من أوراق اللعبة في يد أمريكا سوى تحقيق معاهدة سلام استكمل بها تحرير الأرض مع حزمة معونات كانت دائما حاضرة في خطاب العصا والجزرة بين مصر وأمريكا .
والقصة ليست في حجم وتأثير هذه المعونة العسكرية وغيرها أعلم أنها لا تمثل شيئا مذكورا لكن ليست الدلالة في القيمة ولكن الدلالة في المعنى وفي العبارات الطائشة لترامب المبتذل حينما يقول "أمددناهم بكثير من الدولارات و سينفذوا ما نطلبه".
واليوم .. نرى نفس الورقة تُطرح مجددًا في سياق مختلف حتى ولو على لسان معارض إسرائيلي أنني أتحدث عن الفكرة ولا اتحدث عن مصدرها وإمكانية تحقيقها : فالفكرة إما أن تقبل مصر تحمل عبء غزة مقابل مكافأة مالية، أو تواجه سيناريوهات الضغط والابتزاز الاقتصادي.
لماذا تبقى مصر في دائرة الاستهداف الاقتصادي؟
الاقتصاد هو أحد أعمدة قوة الدولة، ومصدر أساسي لاستقلال قرارها السياسي. حين تكون الدولة مثقلة بالديون أو معتمدة على مساعدات خارجية، تصبح عرضة للمساومات، سواء في الملفات الإقليمية أو حتى القرارات الداخلية.
هذا الأسلوب تكرر كثيرًا، سواء في شكل معايرة مصر بتلقي مساعدات أمريكية (كما يفعل ترامب حاليًا)، أو التلويح بإسقاط الديون مقابل تنازلات سياسية. وهو ما يجعل من الضروري إدراك أن التحدي ليس في مجرد رفض العروض، بل في بناء اقتصاد قوي قادر على تحييد هذه الأدوات من الأساس.
المال والثروة.. مطامع لا تنتهي
ما يحدث اليوم يعيد تأكيد حقيقة تاريخية: الثروة، والأرض، والاقتصاد هي مفاتيح السيطرة في أي صراع دولي. الدول الكبرى لا تمنح الامتيازات مجانًا، لكنها تعرف جيدًا كيف تستغل نقاط الضعف لتحقيق أهدافها. لذا، ستظل المعركة الاقتصادية جزءًا من الصراع الأكبر، وستبقى مصر هدفًا لهذه الأدوات، ما لم تتحصن باقتصاد قوي، وسياسات تحقق استقلال القرار بعيدًا عن الابتزاز الخارجي.
وإذا كنا نتحدث عن خريطة جديدة للإقليم وتوازنات جديدة فلا مكان لها للضعيف اقتصاديا والذي يعيش أزمات اقتصادية متتالية ، لا مكان لمن يتأثر بهزات الآخر والحروب الدولية فالاقتصاد يمنح الأوزان الحقيقية للدولة ، وفي المواجهات العسكرية الكبرى الاقتصاد هو مفتاح السر في الصمود ، و ما يعتصرني دائما هو خطاب المساومات والابتزاز الذي يشير دائما لضعفنا الاقتصادي بإسقاط الديون أو المنح والمساعدات أو بصفقات ضخ الأموال لإنقاذنا فيجب أن نمتلك استراتيجية نكسر بها كل أغلال أخطر سلاح يهدد دورنا الديون والحوافز المالية معا .. يجب أن نمتلك استراتيجية لا تمكن أعداءنا من المساومة والابتزاز .. يجب أن نمتلك استراتيجية نقف بها أمام السلاح الأخطر الذي يهدد دورنا في المنطقة وأمننا القومي حتى لا يخرج علينا نكرة من هنا وهناك ويقدم مشروعات تنال من مكانتنا ورسالتنا ودورنا .