بدوب أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يستطيع العيش دون إثارة الجدل وخلق الأزمات، فمنذ وصوله إلى البيت الأبيض في يناير الماضي وهو يتصرف وكأنه نجم في سيرك سياسي لا يتوقف عن القفز في الهواء، يطلق التهديدات هنا وهناك، ويطرح خططًا لا تقل جنونًا عن أفلام الكاوبوي التي تشكل جزءًا من خياله السياسي. وهذه المرة، وجه ترامب تهديداته إلى الفلسطينيين، مصر، الأردن، وحتى حركة حماس، ملوحًا بفتح "أبواب الجحيم" وقطع المعونات عن الدول التي ترفض الانصياع لأوامره.
خطة جنونية: تهجير أهل غزة وتحويلها إلى منتجع سياحي أمريكي!
ترامب، الذي لم يخفِ يومًا انحيازه المطلق لدولة الاحتلال الإسرائيلي، لم يرَ في الكارثة الإنسانية التي تعرض لها قطاع غزة منذ "طوفان الأقصى" سوى فرصة لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية. فبدلًا من معاقبة إسرائيل على ارتكابها جرائم إبادة جماعية راح ضحيتها أكثر من 50 ألف شهيد وتهجير 2 مليون فلسطيني وتدمير 80% من منازل القطاع، خرج ترامب بفكرة أكثر فجاجة: تهجير جميع سكان غزة إلى مصر أو الأردن، والسيطرة على القطاع لتحويله إلى مشروع عقاري سياحي أمريكي!
هذه الخطة، التي لا يمكن وصفها إلا بالخيال المطلق، لاقت استهجانًا واسعًا حتى داخل إسرائيل، حيث اعتبرها بعض المسؤولين الإسرائيليين السابقين ومنهم ايهود باراك رئيس وزراء إسرائيل السابق "غير واقعية" و"محاولة للهروب من الحل الحقيقي". أما في العالم العربي، فقد قوبلت بالرفض القاطع، حيث أكدت كل من مصر والأردن موقفهما الثابت بعدم قبول أي مخطط لتوطين الفلسطينيين خارج أرضهم.
تهديد وابتزاز: "إما أن تقبلوا اللاجئين أو أقطع المعونات!"
لم يكتفِ ترامب بطرح هذه الخطة المجنونة، بل لجأ إلى أسلوبه المفضل: الابتزاز المالي والسياسي. فهدد علنًا بقطع المساعدات عن مصر والأردن إذا رفضتا استقبال اللاجئين الفلسطينيين الذين يعتزم ترحيلهم من القطاع. وخلال توقيعه سلسلة أوامر تنفيذية في البيت الأبيض، سُئل ترامب عن موقفه من الدول الرافضة فقال بكل وقاحة:
"إذا لم يوافقوا، فمن الممكن أن أقطعها."
وأضاف أنه تحدث إلى "الكثير من الفلسطينيين" الذين "يرغبون في مغادرة غزة" بسبب ما وصفه بـ "الاضطهاد" الذي تعرضوا له، قائلاً:
"لقد تعرضوا للاضطهاد وعوملوا كالزبالة، هم يريدون مغادرة غزة، لكن حتى الآن لم يتأمّن لهم أيّ بديل آخر."
هذا التصريح لم يكن سوى محاولة فاشلة لإيجاد مبرر سياسي وأخلاقي لعملية تهجير قسري جديدة، في تكرار لنكبة 1948، ولكن بصياغة أمريكية هذه المرة.
"لن يعودوا إلى غزة أبدًا!"
لم تتوقف صدمة تصريحات ترامب عند التهديد بقطع المعونات، بل كشف خلال مقابلة مع شبكة "فوكس نيوز" أن الفلسطينيين المهجرين من غزة لن يكون لهم الحق في العودة إليها مرة أخرى. حيث قال بكل وضوح:
"كلا، لن يعودوا، إذ سيحصلون على مساكن أفضل بكثير."
وهكذا، فإن ترامب يريد تنفيذ عملية تطهير عرقي كاملة بحق سكان غزة، ثم يمنّ عليهم بمساكن "أفضل"، دون أن يوضح أين ستكون هذه المساكن، ومن الذي سيبنيها، وما مصير أصحاب الأرض الأصليين الذين يريد اقتلاعهم.
ترامب يهدد "حماس" بفتح أبواب الجحيم!
وفي خطوة أخرى من سلسلة تهديداته، أمهل ترامب حركة "حماس" حتى يوم السبت المقبل للعودة إلى اتفاق تبادل الأسرى، متوعدًا بإلغاء وقف إطلاق النار إذا لم تستجب.
وقال في تصريح نقلته رويترز:
"إذا لم يتم إعادة جميع الرهائن بحلول الساعة 12 ظهرًا يوم السبت، سأدعو لإلغاء وقف إطلاق النار."
وهدد بأنه سيتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن اعتبار السبت "موعدًا نهائيًا"، مما يعني أن ترامب، وبكل بساطة، يمنح الضوء الأخضر لإسرائيل لاستئناف عمليات القتل والقصف ضد المدنيين في غزة، فقط لأنه لم يحصل على ما يريد.
تحريض إسرائيلي: "الهجوم الناري هو الحل!"
لم يكن التصعيد الأمريكي منفصلًا عن التصعيد الإسرائيلي، فقد استغل المتطرف إيتمار بن غفير، وزير الأمن القومي الإسرائيلي، الموقف ليطالب بشن "هجوم ناري واسع" على غزة ووقف جميع أشكال المساعدات الإنسانية للقطاع، كرد فعل على إعلان كتائب القسام تعليق عملية تبادل الأسرى بسبب الخروقات الإسرائيلية.
وقال بن غفير في تصريحاته:
"الرد الوحيد على بيان حماس يجب أن يكون هجومًا ناريًا واسعًا من الجو والبر، ووقف كل أشكال المساعدات لغزة."
أما وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، فأعلن أنه أصدر تعليماته للجيش بالاستعداد لأي سيناريو محتمل في غزة، مما يعني أن الأوضاع في القطاع على وشك الانفجار مجددًا.
موقف مصر والأردن: رفض قاطع للمخططات الأمريكية
على الرغم من ضغوط ترامب، إلا أن الموقف المصري والأردني كان واضحًا وحاسمًا: لا لتوطين الفلسطينيين، ولا لأي محاولة لتغيير التركيبة السكانية للقطاع.
فقد أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في لقائه مع نظيره الأمريكي ماركو روبيو بواشنطن أن مصر ترفض بشكل قاطع أي مساس بحقوق الشعب الفلسطيني، بما في ذلك حق تقرير المصير والبقاء على أرضه والاستقلال.
أما العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، الذي يستعد للقاء ترامب في البيت الأبيض، فقد شدد مرارًا على رفض بلاده "أي محاولات لضم الأراضي أو تهجير الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية."
ترامب يواصل "القفز في الهواء"!
منذ أن عاد إلى البيت الأبيض، وترامب يتعامل مع السياسة الدولية وكأنها برنامج تلفزيون الواقع الخاص به. فمرة يهدد، ومرة يبتز، ومرة يطرح خططًا خيالية لم يسبقه إليها أحد، دون أي اعتبار للقوانين الدولية أو المبادئ الإنسانية.
لكن الواضح أن تهديداته هذه المرة لن تجد طريقها إلى التنفيذ، فالعالم العربي بات أكثر وعيًا بالمؤامرات التي تحاك ضده، والفلسطينيون الذين صمدوا أمام آلة القتل الإسرائيلية لن يقبلوا بأن يصبحوا لاجئين مرة أخرى بأوامر من البيت الأبيض.