كشف «مرصد الذهب» عن تراجع أسعار الفضة بالأسواق المحلية والبورصة العالمية خلال تعاملات الأسبوع الماضي، متأثرة بموجة بيع واسعة ضربت المعادن النفيسة عقب صدور بيانات وظائف أمريكية قوية عززت قوة الدولار ورفعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية، ما زاد من رهانات استمرار السياسة النقدية المتشددة من جانب الاحتياطي الفيدرالي.
وقال الدكتور وليد فاروق، مدير «مرصد الذهب» للدراسات الاقتصادية، إن أسعار الفضة بالسوق المحلية تراجعت بنحو 6% خلال تعاملات الأسبوع الماضي، حيث انخفض سعر جرام الفضة عيار 999 بنحو 8 جنيهات، بعدما افتتح التعاملات عند مستوى 133 جنيهًا للجرام واختتمها عند 125 جنيهًا.
وأضاف أن سعر جرام الفضة عيار 925 سجل نحو 116 جنيهًا، فيما بلغ سعر جرام الفضة عيار 800 نحو 100 جنيه، بينما سجل الجنيه الفضة مستوى 926 جنيهًا.
وأوضح أن أسعار الفضة بالبورصة العالمية تراجعت بنحو 9.3% خلال الأسبوع، فاقدة نحو 7 دولارات من قيمتها، حيث افتتحت الأوقية التداولات عند مستوى 75 دولارًا وأغلقت عند 68 دولارًا للأوقية.
وأشار فاروق إلى أن الفجوة السعرية بين السعر المحلي والعالمي بلغت نحو 12 جنيهًا للجرام، حيث تتداول الأسعار المحلية أعلى من السعر العادل المستمد من السوق العالمية عند احتسابها وفقًا لسعر صرف الدولار المعلن من البنك المركزي المصري، والذي يدور حول 51.9 جنيهًا للدولار.
وأوضح أن هذه الفجوة تعكس استمرار الطلب المحلي على الفضة رغم موجة التراجع الأخيرة، إلى جانب حالة الحذر التي يتبناها التجار والمصنعون في تسعير المخزون بعد التقلبات الحادة التي شهدتها الأسواق منذ بداية العام.
وأضاف أن الفضة تعرضت لضغوط أكبر من الذهب خلال موجة الهبوط الأخيرة نتيجة طبيعتها المزدوجة كأصل استثماري ومعدن صناعي في الوقت نفسه، ما يجعلها أكثر حساسية للتغيرات الاقتصادية وتوقعات النمو العالمي.
وأشار إلى أن موجة البيع الأخيرة جاءت عقب صدور تقرير الوظائف الأمريكي لشهر مايو، والذي أظهر استمرار قوة سوق العمل الأمريكي، ما دفع المستثمرين إلى إعادة تسعير توقعاتهم بشأن أسعار الفائدة الأمريكية، وأدى إلى ارتفاع الدولار والعوائد الحقيقية على السندات، وهو ما شكل ضغطًا مباشرًا على المعادن النفيسة.
وأوضح فاروق أن قوة الدولار وارتفاع العوائد الحقيقية رفعت تكلفة الفرصة البديلة لحيازة الفضة، التي لا تدر عائدًا، الأمر الذي دفع بعض المستثمرين إلى تقليص مراكزهم الاستثمارية في المعادن النفيسة لصالح أدوات الدخل الثابت.
وأضاف أن الفضة سجلت تقلبات حادة منذ بداية العام الجاري، حيث افتتح جرام الفضة عيار 999 تعاملات عام 2026 عند مستوى 125 جنيهًا، ولامس أعلى مستوى له قرب 210 جنيهات خلال شهر يناير، قبل أن يعود إلى مستوى 125 جنيهًا بنهاية الأسبوع الماضي، ليمحو بذلك كامل مكاسبه السنوية.
أما عالميًا، فقد افتتحت الأوقية تعاملات العام عند مستوى 72 دولارًا، وسجلت أعلى مستوى لها عند 121 دولارًا خلال يناير الماضي، قبل أن تتراجع إلى 68 دولارًا بنهاية الأسبوع، مسجلة خسائر سنوية تقارب 5.6%.
ورغم محو الفضة لمكاسبها السنوية، فإن الأسعار لا تزال تتداول عند مستويات أعلى بكثير من متوسطاتها التاريخية المسجلة خلال السنوات السابقة، ما يعكس استمرار تأثير العجز العالمي في المعروض وتنامي الاستخدامات الصناعية للمعدن الأبيض.
وأشار فاروق إلى أن الفضة لا تزال تتفوق على الذهب من حيث حدة التقلبات السعرية، حيث تميل إلى تحقيق مكاسب أكبر خلال موجات الصعود، لكنها تتعرض في المقابل لخسائر أعمق خلال فترات التصحيح، وهو ما يتطلب من المستثمرين التعامل معها باعتبارها أصلًا عالي المخاطر نسبيًا مقارنة بالذهب.
وأضاف أن نسبة الذهب إلى الفضة تتداول حاليًا قرب 64:1، وهي من المستويات المرتفعة تاريخيًا مقارنة بمتوسطاتها طويلة الأجل، ما يشير إلى أن الفضة لا تزال أقل تقييمًا نسبيًا مقارنة بالذهب، وهو ما يدعم توقعات بعض المحللين بإمكانية تفوق أدائها حال تحسن البيئة النقدية العالمية وتراجع الضغوط على أسواق المعادن النفيسة.
وأوضح أن الفضة تختلف عن الذهب في أن جزءًا كبيرًا من قيمتها يرتبط بالنشاط الصناعي العالمي، حيث تدخل في الصناعات الإلكترونية ومراكز البيانات وتقنيات الذكاء الاصطناعي وشبكات الكهرباء والسيارات الكهربائية والتطبيقات التكنولوجية المتقدمة، وهو ما يجعل آفاق النمو الاقتصادي العالمي أحد أهم العوامل المؤثرة على اتجاه أسعارها على المدى الطويل.
وأشار فاروق إلى أن التراجع الأخير في أسعار الفضة لا يعكس تراجعًا جوهريًا في الطلب العالمي، حيث لا يزال السوق يتجه لتسجيل عجز في المعروض للعام السادس على التوالي، في ظل استمرار تجاوز الطلب للإنتاج العالمي.
ووفقًا لتقديرات معهد الفضة العالمي، من المتوقع أن يسجل سوق الفضة عجزًا بنحو 46.3 مليون أوقية خلال عام 2026، رغم تراجع الطلب المرتبط بقطاع الطاقة الشمسية نتيجة التطورات التقنية التي قللت من كمية الفضة المستخدمة في الخلايا الشمسية.
وأضاف أن استمرار العجز للعام السادس على التوالي يعكس قدرة القطاعات الصناعية والاستثمارية الأخرى على تعويض جزء كبير من هذا التراجع، مدعومة بالنمو المتواصل في الطلب المرتبط بالإلكترونيات المتقدمة ومراكز البيانات والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الكهربائية.
وأوضح أن المستثمرين يركزون حاليًا على تأثير أسعار الفائدة والدولار على حركة الأسعار قصيرة الأجل، بينما تشير مؤشرات العرض والطلب إلى أن سوق الفضة لا يزال يعاني من محدودية المعروض مقارنة بالطلب العالمي، وهو ما قد يوفر دعمًا للأسعار بمجرد انحسار الضغوط النقدية الحالية.
وأوضح فاروق أن السوق المصرية تتأثر بصورة مباشرة بتحركات الفضة العالمية، حيث أدى التراجع الأخير إلى زيادة اهتمام المستهلكين بالسبائك والمنتجات الفضية الاستثمارية، خاصة مع استمرار الفارق السعري الكبير بين الذهب والفضة.
وأضاف أن الفضة أصبحت خلال السنوات الأخيرة خيارًا استثماريًا مفضلًا لشريحة من المدخرين الجدد، خصوصًا في ظل ارتفاع أسعار الذهب إلى مستويات تاريخية، ما دفع بعض المستثمرين إلى البحث عن بدائل أقل تكلفة وأكثر قدرة على تحقيق عوائد مرتفعة خلال دورات الصعود.
وأشار فاروق إلى أن الفضة أصبحت تمثل نقطة دخول أقل تكلفة للمستثمرين الجدد مقارنة بالذهب، وهو ما يفسر تنامي الاهتمام بالسبائك الفضية والمنتجات الاستثمارية خلال الفترات التي تشهد ارتفاعًا قويًا في أسعار الذهب.
وأضاف أن الفجوة الواسعة بين أسعار الذهب والفضة دفعت العديد من المتعاملين إلى دخول سوق الفضة للمرة الأولى، باعتبارها تتيح امتلاك معدن نفيس بتكلفة أقل كثيرًا من الذهب، مع إمكانية الاستفادة من التحركات السعرية القوية التي تتميز بها الفضة مقارنة بباقي المعادن النفيسة.
وأكد فاروق أن استمرار العجز العالمي في سوق الفضة للعام السادس على التوالي، إلى جانب تنامي الطلب الاستثماري والصناعي المتوقع خلال السنوات المقبلة، يمثلان عاملين داعمين للأسعار على المدى الطويل، رغم الضغوط قصيرة الأجل الناتجة عن قوة الدولار وتشدد السياسة النقدية الأمريكية.
واختتم فاروق بأن الضغوط الحالية على الفضة ترتبط في المقام الأول بتوقعات أسعار الفائدة الأمريكية وقوة الدولار، إلا أن استمرار العجز العالمي للعام السادس على التوالي، إلى جانب تنامي الطلب الصناعي والاستثماري، يبقيان من أبرز العوامل الداعمة للمعدن الأبيض على المدى الطويل، مع ترقب المستثمرين لبيانات التضخم الأمريكية المقبلة باعتبارها العامل الأكثر تأثيرًا في اتجاه الأسعار خلال الفترة الحالية.