advertisment

رئيس مجلس الإدارة و التحرير
نجلاء كمال

من الذهب إلى البوليمر.. حكاية الجنيه المصري أقدم عملة رسمية في العالم العربي

محمد يوسف

الثلاثاء, 12 مايو, 2026

10:29 م

يُعد الجنيه المصري واحدًا من أقدم العملات الرسمية في المنطقة العربية، إذ ارتبط اسمه بتاريخ الدولة المصرية وتحولاتها السياسية والاقتصادية على مدار ما يقرب من قرنين، منذ ظهوره لأول مرة في عهد محمد علي باشا عام 1836 وحتى الوقت الحالي.


وعبر سنوات طويلة، ظل الجنيه المصري شاهدًا على مراحل تاريخية مهمة عاشتها البلاد، بداية من عصر الأسرة العلوية مرورًا بالملكية وثورة يوليو، وصولًا إلى الجمهورية الحديثة وتطورات الطباعة والتأمين النقدي.


بداية ظهور الجنيه المصري
قبل إصدار الجنيه المصري، اعتمدت مصر على نظام المقايضة إلى جانب تداول العملات المعدنية الأجنبية المصنوعة من الذهب والفضة، وهو ما دفع محمد علي باشا إلى إصدار فرمان عام 1834 يقضي بإنشاء عملة مصرية موحدة.


وبالفعل، ظهرت أول عملة مصرية رسمية عام 1836، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ الاقتصاد المصري تعتمد على نظام نقدي موحد قائم على الذهب والفضة.


وجاءت تسمية “الجنيه” متأثرة بالعملة البريطانية في ظل النفوذ الإنجليزي آنذاك، فيما جرى تقسيمه إلى 100 قرش، والقرش إلى 10 مليمات، كما ظهرت لاحقًا فئة “الباريزة” الشهيرة، وهي عملة العشرة قروش التي تم سكها في باريس.


إصدار أول جنيه ورقي
شهد عام 1899 نقطة تحول مهمة في تاريخ العملة المصرية، بعدما أصدر البنك الأهلي المصري أول أوراق نقدية مصرية في الثالث من أبريل من ذلك العام.


وكان الجنيه وقتها يعادل 7.4 جرام من الذهب، وظلت العملة المصرية مرتبطة بالذهب ثم بالجنيه الإسترليني حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى، التي شهدت تغيرات واسعة في الأنظمة النقدية عالميًا.


“جنيه إدريس”.. الحكاية الأغرب في تاريخ العملة
من أشهر القصص المرتبطة بتاريخ الجنيه المصري، قصة “جنيه إدريس” أو “جنيه الفلاح”، الذي صدر عام 1928 خلال حكم الملك فؤاد الأول.


وتقول الرواية إن إدريس، خادم قصر الملك فؤاد، أخبر الأمير أحمد فؤاد قبل توليه الحكم بأنه رأى في المنام أنه سيصبح ملكًا على مصر، فما كان من الأمير إلا أن وعده مازحًا بوضع صورته على الجنيه إذا تحقق الحلم.


وبعد سنوات، أصبح فؤاد سلطانًا ثم ملكًا على مصر عقب تنازل الأمير كمال الدين حسين عن ولاية العرش، ليتم بالفعل إصدار الجنيه الشهير الذي حمل صورة الفلاح المصري، وارتبط اسمه شعبيًا بـ”جنيه إدريس”.


تطورات كبيرة في تصميم العملة
شهدت العملة المصرية تطورات واسعة خلال القرن العشرين، حيث بدأت الدولة استخدام العلامة المائية عام 1930 لمواجهة عمليات التزوير، كما ظهرت صور الملوك والرموز الأثرية على العملات خلال عهد الملك فاروق الأول.


وبعد ثورة 23 يوليو 1952، تغيرت تصميمات العملات لتعكس هوية الدولة الجديدة، فظهرت صور العامل والفلاح والجندي، إلى جانب رموز الوحدة بين مصر والسودان والمشروعات القومية الكبرى.


إنشاء البنك المركزي وبدء الطباعة المحلية
في عام 1960 صدر قانون إنشاء البنك المركزي المصري، ليتولى مسؤولية إصدار النقد وإدارة السياسة النقدية في البلاد.
وبعدها بثماني سنوات، أنشأت الدولة دار طباعة النقد عام 1968، لتبدأ مصر للمرة الأولى طباعة عملاتها محليًا بدلًا من الاعتماد على المطابع الأجنبية.


وخلال العقود التالية، طرحت الدولة فئات نقدية جديدة، أبرزها فئة الـ50 جنيهًا عام 1993، ثم فئة الـ200 جنيه عام 2007، والتي تضمنت وسائل تأمين حديثة مثل الشرائط الهولوجرامية والعناصر المغناطيسية.


عودة الجنيه المعدني وتحديث العملات
في عام 2005، طرحت الحكومة الجنيه المعدني بدلًا من الورقي، ضمن خطة لتطوير العملة وتقليل تكلفة الطباعة، قبل أن يعود الجنيه الورقي مجددًا إلى التداول بقرار من محافظ البنك المركزي السابق طارق عامر.


ومؤخرًا، أعلنت مصلحة الخزانة العامة وسك العملة تحديث تصميمات العملات المعدنية من فئتي الجنيه والـ2 جنيه، في إطار خطة تطوير العملة المصرية، مع استمرار تداول الفئات القديمة دون إلغائها.


شاهد على تاريخ مصر الحديث
وعلى مدار نحو 190 عامًا، ظل الجنيه المصري حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية للمصريين، ومرآة تعكس التحولات الاقتصادية والسياسية التي شهدتها البلاد، ليبقى حتى اليوم أحد أبرز الرموز التاريخية والاقتصادية للدولة المصرية.