على شاطئ بحر مدينة غزة، تجمعت شهد أحمد ورفيقاتها لتوديع عام 2025 واستقبال العام الجديد، في مشهد يحمل مزيجًا مؤلمًا من الحزن والأمل، بعد عامين من الحرب التي مزقت قطاع غزة الذي يقطنه أكثر من مليوني إنسان. المكان ذاته الذي كان شاهدًا على الفرح والاحتفالات في الماضي، بات اليوم رمزًا للتشبث بالحياة وسط الدمار والخراب.
ذكريات ما قبل الحرب ومحاولة استعادة الفرح
تقول شهد، البالغة من العمر 26 عامًا، في حديثها لوكالة أنباء شينخوا، إنهن اعتدن التجمع في هذا المكان في نهاية كل عام قبل اندلاع الحرب، لكن النزاع فرّقهن لعامين كاملين. ورغم الألم العميق، حاولت الصديقات استعادة لحظة فرح خاطفة عبر التقاط صور السيلفي وإطلاق البالونات الملونة نحو السماء، بينما بدت الابتسامات على وجوههن مثقلة بالحزن والفقد.
أمنيات بسيطة تمثل الحياة
تؤكد شهد أن محاولتهن للفرح ليست إلا محاولة لنسيان ما حل بأهالي غزة وبيوتهم، ولو لبرهة قصيرة. وتوضح أن أمنياتها للعام الجديد بسيطة، لكنها تمثل الحياة بالنسبة لها، إذ تتمنى عودة الأمان والحياة الكريمة، والنوم دون خوف من القصف أو الصواريخ أو الموت، بعد أن تحوّل الأمل الذي كان يملأ حياة الغزيين قبل الحرب إلى ألم اجتاح كل بيت.
الموت حاضر في كل بيت
تشير شهد إلى أن الموت طرق أبواب جميع العائلات في غزة، حيث توزعت حياة الناس بين القصف والجوع والنزوح، ولم يعد الأطفال يعرفون معنى اللعب إلا بين الأنقاض وتحت وطأة الخوف الدائم، في مشهد يعكس عمق المأساة الإنسانية التي يعيشها القطاع.
سمية عوض ووجع الفقد
على مقربة من شهد، جلست صديقتها سمية عوض، 25 عامًا، تتصفح صور والدها وشقيقها اللذين قتلا في قصف إسرائيلي سابق، والدموع تنهمر من عينيها. تقول سمية لوكالة شينخوا إن أمنيتها الحقيقية هي أن تعانق أباها وأخاها مرة أخرى، رغم إدراكها لاستحالة ذلك، مؤكدة أنها تفتقد دفء العائلة منذ رحيلهما.
بيت مدمر وأحلام مكسورة
تسترجع سمية ذكريات ما قبل الحرب، حين كانت عائلتها تجتمع للاحتفال بالعام الجديد، يعدّون الحلويات ويزينون المنزل سويًا، قبل أن يُقتل والدها وشقيقها ويُدمّر بيتهم، وتتحول أحلامهم إلى رماد. وتعبر عن أمنيتها بأن تعيش في بيت آمن، وأن تستيقظ على أصوات العصافير ورائحة الخبز والقهوة، بدلًا من طوابير المياه وصراخ الأطفال الجائعين.
أمينة رجب ومعاناة الحياة في المخيم
في جنوب القطاع، بدأت أمينة رجب من مدينة خانيونس آخر أيام العام بالانتظار في طابور المياه داخل المخيم الذي تقيم فيه. وعلى وجهها علامات الإرهاق، تحمل جالونات المياه الثقيلة، قائلة إنهم يودعون العام بهذه المعاناة بعد أن كانوا يعيشون سابقًا حياة كريمة تتوفر فيها المياه والكهرباء دون انتظار.
أم تعيل أطفالها وسط الخيام
عادت أمينة إلى خيمتها المتهالكة حيث ينتظرها أطفالها الثلاثة، وهي المعيلة الوحيدة لهم بعد مقتل زوجها برصاص الجيش الإسرائيلي أثناء محاولته الحصول على مساعدات إنسانية. وتقول إنها تتمنى أن يعود أطفالها إلى المدارس، وأن يحملوا الكتب بدلًا من جالونات المياه، وأن تحصل على كرفان يؤويهم بدل الخيمة التي لا تصمد أمام المطر.
أحلام النساء في غزة بين الألم والأمل
تعبر أمينة بحزن عن أمنيتها بانتهاء هذا الكابوس، وأن يُدفن الحزن بدل الأحبة، وأن يعيش الأطفال حياة كريمة مليئة بالتفاؤل بدل حياة الخيام والمخيمات. ورغم سريان وقف إطلاق النار في العاشر من أكتوبر الماضي، لا تزال الأوضاع الإنسانية في غزة بالغة الصعوبة، مع نقص حاد في المياه والكهرباء والخدمات الأساسية.
أرقام ثقيلة وخسائر فادحة
وبحسب أرقام المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، قُتلت خلال الحرب 12 ألفًا و500 سيدة فلسطينية، فيما بلغت حصيلة القتلى منذ السابع من أكتوبر 2023 نحو 71 ألفًا و269 قتيلًا، إضافة إلى 171 ألفًا و232 جريحًا، وفق وزارة الصحة في غزة.
النساء يطالبن بالحياة لا أكثر
تقول صباح عطا الله من مدينة غزة لوكالة شينخوا إن النساء في غزة لا يطالبن بالثراء أو الرفاهية، بل بالحياة نفسها، بالأمان، والتعليم للأطفال، والبيت الدافئ، والطعام الكافي، وذكريات سعيدة بلا خوف. وتؤكد أنهن خسرن الكثير خلال الحرب، لكنهن ما زلن يتمسكن بالأمل في أن يعشن يومًا الحياة التي يستحققنها، مع أمنية أن يبدأ العام الجديد بخطوات حقيقية نحو السلام والأمان، لأطفال غزة قبل أي شيء آخر.