تحل اليوم ذكرى ميلاد الفنانة الكبيرة فايزة أحمد، ذلك الصوت الذي بقي حاضرًا في الوجدان العربي رغم مرور عقود على رحيلها. من طفولة بسيطة وبدايات شاقة، إلى مجد فني صنع لها مكانة استثنائية بين عمالقة الغناء، تظل فايزة أحمد إحدى أبرز أيقونات الطرب العربي في القرن الماضي.
وُلدت فايزة أحمد في 5 ديسمبر 1934 في بيروت لأبٍ سوري من حلب وأم لبنانية، وعاشت سنواتها الأولى بين بيروت ودمشق. ورغم موهبتها اللافتة منذ الطفولة، واجهت رفضًا قاسيًا من والدها الذي عارض دخولها مجال الغناء، ما جعل بدايتها محفوفة بالعقبات. ومع ذلك، أصرّت على شق طريقها، فبدأت في الإذاعة السورية ثم اللبنانية، قبل أن تتخذ قرار السفر إلى القاهرة وهي لم تتجاوز العشرين من عمرها.
بداية الطريق.. من القاهرة إلى قلوب الجمهور
عند وصولها إلى مصر، كانت الساحة الفنية مزدحمة بالأسماء الكبرى، لكن صوتها الفريد جذب انتباه الملحنين سريعًا. خضعت لاختبار لجنة الاستماع في الإذاعة المصرية، وكان من بين من استمعوا إليها الموسيقار محمد عبد الوهاب، الذي أُعجب بقدراتها الصوتية لكنه نصحها بالبحث عن لون يناسب طبيعتها.
وجاء المنعطف الأهم في حياتها الفنية مع الموسيقار محمد الموجي، الذي آمن بموهبتها وقدّم لها مجموعة من الروائع التي أسّست لمكانتها بين كبار المطربين.
ست الحبايب.. الأغنية التي صنعت الخلود
قدّمت فايزة أحمد عشرات الأغنيات الناجحة، لكن أغنيتها الأشهر "ست الحبايب" بقيت علامة فارقة في وجدان الجمهور العربي. لم تكن مجرد أغنية، بل تحوّلت إلى نشيد للأمومة في كل بيت عربي، وكانت فايزة تعتبرها الأقرب إلى قلبها نظرًا لارتباطها بعلاقتها العميقة بوالدتها.
حياة إنسانية ثرية ومشاعر معقّدة
على المستوى الشخصي، عاشت فايزة حياة مليئة بالتفاصيل الإنسانية، وتزوجت أكثر من مرة، وكان أبرز زواج لها من الموسيقار محمد سلطان، الذي جمعته بها علاقة فنية وإنسانية طويلة، أثمرت أعمالًا ناجحة وبصمة لا تُنسى في تاريخ الغناء.
ورغم نجاحها الكبير، عانت فايزة من حساسية شديدة وصراعات نفسية بسبب المنافسة القوية مع أصوات عربية لامعة مثل وردة ونجاة وشادية، لكنها احتفظت بمسار غنائي خاص بها لا يشبه أحدًا.
مع الألم.. ظل الغناء آخر ما يغادرها
في سنواتها الأخيرة، أصيبت فايزة أحمد بمرض السرطان، ورغم معاناتها الشديدة، أصرت على الغناء حتى آخر أيامها، وكانت تؤكد دائمًا أن "الصوت" هو الشيء الوحيد الذي يخفف ألمها. سافرت للعلاج في الولايات المتحدة، لكنها فضّلت العودة إلى مصر لتكون بين جمهورها وأهلها.