advertisment

رئيس مجلس الإدارة و التحرير
نجلاء كمال

الجسر الراقص: مأساة هندسية تحولت إلى درس خالد

مصطفى علوان

الجمعة, 7 نوفمبر, 2025

11:56 ص

في صباح يوم السابع من نوفمبر عام 1940، استيقظ سكان مدينة تاكوما في ولاية واشنطن على مشهد مأساوي وغير مسبوق؛ انهيار الجسر الذي كان يفترض أن يكون مفخرة هندسية للمنطقة، جسر “تاكوما ناروز”، الذي اشتهر لاحقًا باسم “الجسر الراقص”.

لم يمض على افتتاحه سوى أربعة أشهر، حتى استسلم لقوة الرياح، في حادثة تحولت من كارثة إلى درس خالد في تاريخ الهندسة.

تم بناء الجسر بتكلفة بلغت ثمانية ملايين دولار، وكان ثالث أطول جسر معلق في العالم بطول إجمالي وصل إلى 1810 أمتار.

إلا أن تصميمه المبتكر جاء على حساب الأمان، إذ اختير عرض ضيق للغاية لا يتجاوز 12 مترًا، وهو ما جعله عرضة للتأرجح تحت تأثير الرياح.

ومنذ أيامه الأولى، لاحظ المهندسون والسكان ظاهرة غريبة: الجسر يهتز بشدة حتى مع هبوب نسيم خفيف، ما جعله يُلقب بـ“غالوبينغ غيرتي” أو “الجسر الراكض”، وأصبح مقصداً للزوار الذين أتوا لمشاهدة رقصه العجيب فوق المياه.

في صباح يوم الانهيار، ضربت المنطقة عاصفة بسرعة رياح بلغت نحو 65 كيلومترًا في الساعة. بدأ الجسر يتمايل بعنف غير مسبوق، حتى وصل انحرافه الجانبي إلى أكثر من ثمانية أمتار.

ومع حلول الساعة الحادية عشرة، انهار الامتداد الرئيسي بالكامل وسقط في مياه مضيق تاكوما. ورغم ضخامة الحدث، اقتصرت الخسائر البشرية على كلب رفض مغادرة السيارة الوحيدة التي كانت على الجسر، بينما نجا سائقها بأعجوبة.

وقد وثق المصور المحلي “بارني إليوت” المشهد بالفيديو، ليصبح أحد أكثر التسجيلات شهرة في تاريخ الهندسة.

كشفت التحقيقات لاحقًا أن الانهيار لم يكن بسبب الرياح وحدها، بل نتيجة ظاهرة فيزيائية تُعرف باسم “الرنين الهوائي”، إذ تسببت الرياح المستمرة في توليد دوامات هوائية تزامن تردد انفصالها مع التردد الطبيعي لاهتزاز الجسر، مما أدى إلى تضخيم الحركة تدريجيًا حتى لحظة الانهيار.

كان التصميم الأصلي يراعي مقاومة “الرياح الساكنة”، أي الضغط الثابت، لكنه فشل في حساب “التأثيرات الديناميكية الهوائية” الناتجة عن الرياح المتغيرة.

ومن هنا، وُلدت ثورة في عالم الهندسة المدنية، إذ أعاد الخبراء النظر في كيفية تصميم الجسور المعلقة لتتحمل القوى الديناميكية.

أدى انهيار جسر تاكوما إلى تطوير مفاهيم جديدة في تصميم الجسور، من بينها اعتماد الهياكل المفتوحة التي تسمح بمرور الهواء بدلاً من مقاومته، واستخدام أنظمة تخميد لامتصاص الاهتزازات، إلى جانب إجراء اختبارات دقيقة على نماذج الجسور في أنفاق هوائية قبل تنفيذها.

وبعد عشر سنوات فقط، تم بناء جسر جديد في نفس الموقع، بتصميم مختلف تمامًا يأخذ في الاعتبار جميع الدروس المستفادة من الحادثة.

تحول “الجسر الراقص” من مأساة هندسية إلى رمز عالمي للتطور العلمي، حيث يُعرض انهياره حتى اليوم في قاعات الجامعات كأحد أهم الدروس في الفيزياء والهندسة.

لقد أثبتت تلك الكارثة أن الطريق نحو الإتقان يمر أحيانًا عبر الفشل، وأن كل انهيار يحمل في طياته بذور التقدم والمعرفة.