تُعد حرب أكتوبر المجيدة علامة مضيئة في سجل العسكرية المصرية، إذ تجلت فيها عبقرية القيادة وتضحيات الجنود من أجل استرداد الكرامة والأرض. كانت تلك الحرب اختبارًا حقيقيًا لقدرة المصريين على تحويل الهزيمة إلى نصر، والحلم إلى واقع، لتصبح رمزًا للبطولة والإصرار على التحرير.
وفي قلب هذا النصر العظيم، يبرز اسم المشير محمد عبد الغني الجمسي، أحد أبرز القادة العسكريين في تاريخ مصر الحديث، وصاحب البصمة الكبرى في التخطيط لحرب أكتوبر، حتى لُقّب بـ"مهندس الحرب" و"صاحب كشكول النصر".
حرب أكتوبر.. من الهزيمة إلى النصر
في السادس من أكتوبر عام 1973، دوّت صيحات "الله أكبر" على ضفتي قناة السويس، حينما عبر أبطال القوات المسلحة القناة لاستعادة أرض سيناء من الاحتلال الإسرائيلي. كانت تلك اللحظة تتويجًا لسنوات من الإعداد الدقيق والتدريب الشاق، شارك في تفاصيلها المشير الجمسي، الذي لعب دورًا محوريًا في تحديد ساعة الصفر وتخطيط العمليات القتالية.
لقد غيّرت الحرب خريطة التوازنات الإقليمية والدولية، وأثبتت أن الإرادة المصرية قادرة على تحقيق المستحيل، وأن الحق المسنود بالقوة ينتصر في النهاية.
نشأة وتكوين قائد فذ
وُلد المشير محمد عبد الغني الجمسي في 9 سبتمبر عام 1921 بمحافظة المنوفية، وكان الوحيد من بين أشقائه الذي تلقى تعليمًا نظاميًا قبل إقرار مجانية التعليم في مصر. أنهى دراسته بمدرسة المساعي المشكورة بشبين الكوم، ليبدأ بعدها رحلته مع العسكرية المصرية التي امتدت لأكثر من أربعة عقود.
التحاقه بالكلية الحربية وبداية المشوار العسكري
التحق الجمسي بالكلية الحربية وهو في السابعة عشرة من عمره، وتخرج عام 1939 في سلاح المدرعات. ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية، خدم في صحراء مصر الغربية، حيث شهد أعنف معارك المدرعات بين قوات الحلفاء بقيادة مونتجمري والمحور بقيادة روميل، ما أكسبه خبرة ميدانية نادرة في التكتيك والقيادة.
بعد الحرب، التحق بالمخابرات الحربية وتدرج حتى أصبح مدرسًا بمدرسة المخابرات، متخصصًا في تدريس التاريخ العسكري لإسرائيل، جامعًا كل ما يتعلق بجيشها وتسليحها واستراتيجيتها، وهي المعرفة التي ساعدته لاحقًا في التخطيط لحرب أكتوبر.
مسيرة قيادية زاخرة بالمناصب
تدرج المشير الجمسي في مختلف المناصب داخل القوات المسلحة، فقاد اللواء الخامس مدرعات خلال معركة السويس عام 1956، ثم تولى رئاسة أركان سلاح المدرعات عام 1957، وتدرج بعدها حتى أصبح رئيس أركان الجيش الثاني عام 1967.
وفي عام 1971 تولى رئاسة هيئة تدريب القوات المسلحة، ثم عُيّن رئيسًا للمخابرات الحربية، قبل أن يتولى رئاسة هيئة عمليات القوات المسلحة عام 1972، حيث بدأ التخطيط العملي لحرب أكتوبر.
وبعد النصر، أصبح رئيس أركان حرب القوات المسلحة في ديسمبر 1973، ثم وزيرًا للحربية والقائد العام للقوات المسلحة في ديسمبر 1974، قبل أن يُرقى إلى رتبة مشير عام 1980.
"كشكول الجمسي".. الوثيقة التي غيّرت التاريخ
عُرف عن الجمسي دقته العلمية وميله للتوثيق والتحليل، وهو ما تجسد في "كشكول الجمسي" الذي أعده خلال فترة الإعداد للحرب. احتوى هذا الكشكول على كل التفاصيل الدقيقة المتعلقة بالعدو وبالقوات المصرية والسورية، وكان المرجع الأساسي في اختيار موعد الهجوم يوم السادس من أكتوبر 1973، بناءً على دراسات دقيقة أعدتها هيئة العمليات برئاسته.
وقد أطلق الرئيس أنور السادات هذا الاسم تقديرًا لجهده العلمي والعسكري في صياغة خطة العبور التاريخي.
دوره في التفاوض بعد الحرب
اختاره الرئيس السادات رئيسًا للوفد العسكري المصري في مفاوضات الكيلو 101 عقب وقف إطلاق النار، ثم في المفاوضات العسكرية المصرية الإسرائيلية التي مهدت لمعاهدة السلام. وفي عام 1974، تولى وزارة الحربية، وتمت ترقيته إلى رتبة فريق أول، ثم مشير في عام 1980، قبل أن يطلب التقاعد بعد مسيرة حافلة بالعطاء.
مواقفه الوطنية واستقالته بعد نكسة 1967
بعد هزيمة يونيو 1967، تقدم الجمسي باستقالته من القوات المسلحة، لإتاحة الفرصة لجيل جديد يواصل مشوار استرداد الأرض، إلا أن الرئيس جمال عبد الناصر رفض الاستقالة، وأسند إليه مهمة الإشراف على تدريب الجيش المصري، فكان من أبرز من ساهموا في إعادة بناء القوات المسلحة استعدادًا لمعركة الكرامة عام 1973.
تكريمات وأوسمة
حصل المشير محمد عبد الغني الجمسي على عدد كبير من الأوسمة والميداليات من مصر والدول العربية والأجنبية، أبرزها وسام نجمة الشرف العسكرية، ووسام التحرير عام 1952، ووسام ذكرى قيام الجمهورية العربية المتحدة عام 1958، إلى جانب 24 وسامًا ونوطًا تقديرًا لخدمته العسكرية المشرفة.
رحيل القائد في صمت
رحل المشير محمد عبد الغني الجمسي في 7 يونيو 2003 عن عمر ناهز 82 عامًا، بعد حياة حافلة بالعطاء العسكري والوطني، تاركًا وراءه إرثًا خالدًا من الانضباط، والذكاء الاستراتيجي، والإخلاص للوطن، ليبقى اسمه محفورًا في ذاكرة التاريخ كأحد أعظم من أنجبهم جيش مصر العظيم.