شهد الجامع الأزهر ملتقىً مميزًا ضمن سلسلة البرامج الموجهة للمرأة، تناول خلاله عدد من الأكاديميات والباحثات دور المرأة في الهجرة النبوية، باعتباره لحظة فارقة في تاريخ الدعوة الإسلامية، حيث سلّطن الضوء على إسهامات النساء في هذا الحدث المحوري، وما قدمنه من نماذج للصبر والشجاعة والإيمان.
د. فاطمة هنداوي: النساء حفظن الأسرار وشاركن في التخطيط والتنفيذ
قالت د. فاطمة هنداوي، وكيل كلية الدراسات العليا، إن الهجرة النبوية لم تكن مجرد انتقال مكاني، بل مثلت نقطة تحوّل تاريخية في مسار الإسلام، وكان للمرأة دور فاعل فيها لا يقل أهمية عن دور الرجل.
وأوضحت أن النساء في تلك الفترة لم يكنّ فقط شريكات في الحياة، بل كنّ حليفات حقيقيات في تفاصيل الهجرة؛ فقد ساعدن في الإعداد لها، وتحضير الزاد، وتأمين الاحتياجات، فضلًا عن حفظ الأسرار الحساسة، وتقديم الدعم اللوجستي في ظل ظروف بالغة الصعوبة.
وأضافت: "النساء واجهن المخاطر بشجاعة، كنّ يتحركن في الليل لتقديم المساعدة ونقل المعلومات، ولم يكتفين بالأدوار التقليدية، بل كنّ محركًا مهمًا للثبات النفسي والمعنوي للمسلمين أثناء هذه الرحلة الشاقة."
واختتمت مؤكدة أن الهجرة لم تكن مجرد حدث تاريخي، بل درس في التكافل المجتمعي بين الرجال والنساء، وعلينا أن نُعيد الاعتبار لهذه النماذج النسائية التي ساهمت في تثبيت أركان الإسلام.
د. منى الشاعر: أم سلمة نموذج في الصبر والثبات
وفي مداخلة مؤثرة، تناولت د. منى الشاعر، أستاذ التاريخ الإسلامي، نماذج نسائية بارزة شاركت في الهجرة، على رأسهن أم سلمة رضي الله عنها، التي مثلت مثالًا يُحتذى في قوة الإيمان والثبات.
وسردت قصتها قائلة: "عندما قرر زوجها أبو سلمة الهجرة، منعتها عائلته من الرحيل وانتزعوا ابنها منها، فعاشت عامًا كاملًا تبكي حرمانها من زوجها وابنها. ومع ذلك، لم تيأس، حتى أُذن لها باللحاق بزوجها، فخرجت وحدها ومعها طفلها، وخلال الطريق رافقها عثمان بن طلحة، وساعدها حتى وصلت إلى المدينة."
وأكدت أن هذه القصة تعكس مدى إصرار المرأة المسلمة على تحقيق هدفها، رغم الصعوبات والعقبات.
كما أشارت إلى دور ليلى بنت أبي حثمة، إحدى أوائل المهاجرات، التي اختارت الهجرة المبكرة رغم المخاطر، لتؤكد أن النساء كنّ في مقدمة الصفوف لبناء مجتمع إسلامي جديد في يثرب.
د. حياة العيسوي: الهجرة رسالة خالدة شاركت فيها النساء من البداية
من جهتها، شددت د. حياة حسين العيسوي، على أن الهجرة النبوية تمت بإذن من الله تعالى وبتخطيط دقيق من النبي ﷺ، واعتبرتها أحد أعظم الأحداث التي غيرت وجه التاريخ.
وقالت إن إسهام النساء لم يقتصر على الهجرة فقط، بل بدأ مع السيدة خديجة رضي الله عنها منذ اللحظات الأولى لنزول الوحي، فقد كانت أول من صدق وآمن بالنبي ﷺ، ووقفت إلى جواره، وشدّت من أزره في أصعب اللحظات.
وأضافت: "حين عاد رسول الله ﷺ من غار حراء مرتجفًا بعد نزول الوحي، كانت خديجة أول من احتضنه وثبّته بكلماتها الخالدة: أبشر، فوالله لا يُخزيك الله أبدًا"، مؤكدة أن هذه اللحظة التاريخية تكشف دور المرأة المؤمنة في دعم الرسالة منذ بدايتها.
تكريم مستحق وإعادة قراءة لدور النساء في التاريخ
اتفق المشاركون في الملتقى على أن الهجرة النبوية لا يمكن قراءتها بمعزل عن الأدوار النسائية، التي لم تكن هامشية أو مساندة فقط، بل كانت جزءًا أصيلًا في صياغة النجاح الإسلامي الأول، داعين إلى إعادة تقديم هذه النماذج في مناهج التعليم وخطابنا الثقافي والديني، بما يعيد للمرأة المسلمة مكانتها التاريخية ودورها الريادي.