في ذكرى رحيل الشيخ محمد صديق المنشاوي، الذي رحل عن عالمنا في 20 يونيو 1969، لا يزال صوته حيًّا، يطرق القلوب، ويهز الأرواح، ويبث في النفوس سكينةً من نوعٍ خاص. إنه صوتٌ خاشع، لقلبٍ ضارع، ما زال يعلو إلى السماء.
صوته لا يزال صداه يتردد في أرجاء القلوب المؤمنة، وقد وُصف بأنه من مزامير آل داوود. إنه كروان القرآن الكريم وعبقري الخشوع والتدبر، الذي خط اسمه في سجل الخلود بين عمالقة دولة التلاوة. وُلد الشيخ المنشاوي يوم السبت 20 يناير 1920، بقرية المنشاة التابعة لمحافظة سوهاج في صعيد مصر، في أسرة قرآنية عريقة، أنبتها الله في أرض القرآن، وأظلها بنور الحفظ والتلاوة.
نشأ الشيخ المنشاوي في بيتٍ ضم 18 حافظًا للقرآن الكريم، يتقدمهم والده وشقيقه الشيخ محمود صديق المنشاوي، وكلاهما من قراء مصر البارزين. أتمّ الشيخ محمد حفظ القرآن الكريم وهو لم يتجاوز الثامنة من عمره، في كُتّاب قريته، لينطلق بعدها في رحلة التلاوة والتمكين، مرافقًا والده وعمّه في السهرات القرآنية، إلى أن أُتيحت له فرصة التلاوة في إحدى الليالي، فانبهر الحاضرون بجمال صوته وخشوع أدائه، وكانت تلك الانطلاقة الحقيقية لمسيرته.
واشتهر المنشاوي بموقفه في رفض دعوة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر لتلاوة القرآن الكريم في إحدى المناسبات العامة، بسبب ما بدر من مندوب الرئيس الذي قال له: «يجب أن تشعر بالسعادة لأنك ستنال شرف التلاوة أمام الرئيس وكبار المسؤولين»، فردّ عليه المنشاوي: «بل هم من لهم شرف الاستماع إلى القرآن الكريم بصوت محمد صديق المنشاوي».
وبعد فترة، دعاه جمال عبد الناصر لتلاوة القرآن الكريم في عزاء والده بالإسكندرية، ومنحه الغرفة المجاورة له بمقر إقامته، تعبيرًا عن اعتزازه بمكانة الشيخ المنشاوي، بعد سوء تصرف المندوب الذي أُرسل إليه. فيما روى الشيخ علي جمعة، مفتي الديار المصرية الأسبق، واقعةً حدثت حين اجتمع الرئيس جمال عبد الناصر مع الشيخ بعد وفاة والده، وطلب منه أن يتلو عليه ما تيسر من القرآن الكريم، حيث كان الرئيس يحب سماع القرآن بصوت المنشاوي، وحين استمع إليه يتلو أمامه، بكى تأثرًا، رغم ما عُرف عنه من قوة الشخصية.
وقال عنه الشيخ محمد متولي الشعراوي قولته الشهيرة: "إن المنشاوي ورفاقه الأربعة من المقرئين، كلهم يركبون مركبًا ويُبحرون في بحر القرآن الكريم، ولن يتوقف هذا المركب حتى يرث الله الأرض ومن عليها". وقد تم اعتماده قارئًا بالإذاعة المصرية، وكانت أول تلاوة مسجلة له هي سورة لقمان، لتبدأ مرحلة جديدة من الانتشار الإذاعي، الذي وصل صداه إلى جميع أنحاء الوطن العربي والعالم الإسلامي.
ورغم إصابته بمرضٍ في المريء عام 1966، رفض الشيخ التوقف عن التلاوة، متحديًا آلامه، ليواصل أداء رسالته حتى آخر أيام حياته. فقد كانت التلاوة بالنسبة له عبادة لا تنقطع، ورسالة لا تنتهي.