أكد المهندس عبد الصادق الشوربجي، رئيس الهيئة الوطنية للصحافة، أن المؤسسات الصحفية القومية تشهد في الوقت الحالي تحولًا رقميًا واسعًا بالتعاون مع وزارة الاتصالات، مشيرًا إلى أن هذا التحول بدأ يحقق نتائج ملموسة على أرض الواقع، حيث سجلت النسخ الرقمية لجريدة "الأهرام" وحدها أرباحًا تقدر بالملايين، مما يعكس نجاح هذه الخطوة في تقليص الفجوة المالية وتحقيق مورد اقتصادي جديد إلى جانب النسخة الورقية التي ما زالت قائمة.
وأوضح الشوربجي خلال اجتماع لجنة الثقافة والإعلام والسياحة بمجلس الشيوخ، المنعقد يوم الأحد برئاسة الكاتب الصحفي محمود مسلم، أن التحول الرقمي لا يعني التخلي عن النسخ المطبوعة، بل يأتي كمسار موازٍ يعزز من قدرة المؤسسات على البقاء والمنافسة، مضيفًا: "أنا أعمل على الجبهتين.. الورقي والرقمي"، وهو ما يعكس سعي الهيئة إلى إدارة التوازن بين الماضي والحاضر في مجال الصحافة.
أعباء مالية ضخمة
كشف رئيس الهيئة الوطنية للصحافة أن المؤسسات القومية تواجه أعباء مالية شهرية تقترب من 250 مليون جنيه، في ظل تراجع كبير في نسب التوزيع والإعلانات. ورغم هذه التحديات، أكد الشوربجي أن الهيئة لا تطالب في الوقت الراهن بزيادة الدعم الحكومي، بل تسعى إلى تحقيق التوازن المالي عبر تنمية الإيرادات الذاتية، مشيرًا إلى أن جريدة الأهرام باتت قريبة من الوصول إلى هذا التوازن، لكنها تحتاج دعمًا من الدولة في ما يتعلق بملف الضرائب المتراكمة.
وأضاف أن صدور تشريع خاص بتسوية الأوضاع الضريبية للمؤسسات الصحفية من شأنه أن يدفع بجريدة الأهرام لتحقيق التوازن المالي الكامل خلال العام المقبل، مما يمثل نموذجًا يحتذى به لبقية المؤسسات القومية.
تخوف من اختلال التخصصات
تحدث الشوربجي عن حجم العاملين داخل المؤسسات الصحفية القومية، موضحًا أن العدد الإجمالي يبلغ نحو 20 ألف موظف، منهم 10 آلاف إداري و6 آلاف عامل. وأبدى قلقه الشديد من تزايد أعداد الإداريين المنقولين إلى جداول الصحفيين دون معايير واضحة، واصفًا هذه الظاهرة بـ"الكارثة" التي تهدد مستقبل المهنة.
وأوضح أنه ليس ضد مبدأ انتقال الإداري إلى العمل الصحفي، لكن بشرط أن يتم وفق ضوابط مهنية ومعايير عادلة، مؤكدًا أنه أصدر قرارًا بوقف النقل إلا بعد مراجعة لجنة تضم كبار الصحفيين، حرصًا على حماية هوية المهنة ومنع التلاعب بالمواقع الصحفية.
تحسن ملحوظ في الأداء
من جانبه، شدد الكاتب الصحفي محمود مسلم، رئيس اللجنة، على أن الحدود التقليدية بين الإعلام الورقي والرقمي باتت غير موجودة، وهو ما يستدعي إعداد كوادر جديدة قادرة على التعامل مع أدوات الإعلام الحديث. وأوضح أن الصحف القومية تأخرت كثيرًا في التحول التكنولوجي، وهو تأخر يرجع في جزء منه إلى ظروف خارجة عن الإرادة، وفي جزء آخر إلى سوء الإدارة في فترات سابقة.
وأضاف مسلم أن هناك تحسنًا واضحًا في الأداء خلال الفترة الأخيرة بفضل جهود الهيئة الوطنية للصحافة، مشيرًا إلى أن السعي نحو التوازن الاقتصادي بات أمرًا ملموسًا بعد أن كانت المؤسسات الصحفية خاضعة في السابق لأهواء القيادات أو التوجهات السياسية.
دعوات للتجديد واستثمار الطاقات البشرية
وفي سياق متصل، أكد الكاتب الصحفي وعضو مجلس الشيوخ عماد الدين حسين على أهمية وجود برامج تدريب وتأهيل مهني حقيقية داخل المؤسسات الصحفية القومية، متسائلًا عن مصير الأجيال الجديدة في ظل توقف التعيينات. وقال: "هل يمكن أن تستمر المؤسسات بلا دماء جديدة؟ لدينا جنرالات كثر.. لكن أين الجنود؟"، في إشارة إلى الحاجة الماسة لضخ عناصر شابة قادرة على مواكبة التطورات.
أما النائبة نادية مبروك، فقد دعت إلى استثمار الإمكانات الهائلة المتوفرة داخل المؤسسات القومية بدلاً من الاكتفاء بإنشاء كيانات تعليمية كمدارس أو جامعات تابعة، متسائلة عن أسباب التراجع الكبير في مكانة جريدة الأهرام مقارنة بماضيها، حين كانت تحتل الصدارة في المشهد الإعلامي المصري والعربي.
وانتهت الجلسة إلى التأكيد على أن تطوير الصحف القومية يجب ألا يكون جهدًا منفصلًا، بل جزءًا من خطة شاملة لتحديث الإعلام القومي بمختلف أشكاله، بما يتماشى مع التحولات التكنولوجية المتسارعة والمتطلبات المهنية لعصر الإعلام الرقمي.