يلعب النظام الغذائي دورًا محوريًا في تعزيز الصحة النفسية والحد من اضطرابات مثل القلق والاكتئاب، وفقًا لما كشفت عنه دراسة حديثة أجراها باحثون في جامعة بوند الأسترالية. الدراسة، التي استعرضت بيانات أكثر من 57 ألف شخص من 25 دراسة سابقة، تقدم أدلة متزايدة على أن تعديلات بسيطة في النظام الغذائي قد تترك أثرًا كبيرًا على الحالة النفسية.
خفض السعرات والدهون: خطوة أولى نحو التوازن النفسي
توصل الباحثون إلى أن تقليل السعرات الحرارية اليومية والحد من استهلاك الدهون يُسهمان بشكل واضح في خفض أعراض الاكتئاب والقلق، خاصة لدى الفئات المعرضة لأمراض القلب والأوعية الدموية مثل المصابين بالسمنة ومقاومة الإنسولين. وقد أشار الفريق إلى أن النظام الغذائي المُقيد بالسعرات — بمتوسط 1500 سعرة حرارية يوميًا — مع تجنب الأطعمة المعالجة والسكريات، قد ساهم في تحسين المزاج لدى المشاركين.
ورغم النتائج المبشرة التي نشرتها الدراسة في مجلة "حوليات الطب الباطني"، إلا أن الباحثين شددوا على أن جودة الأدلة ما تزال بحاجة إلى تدعيم، ونصحوا بضرورة استشارة المختصين قبل إجراء أي تغييرات غذائية لأغراض تتعلق بالصحة النفسية.
حمية البحر الأبيض المتوسط: غذاء مضاد للاكتئاب
كشفت دراسة أخرى، نُشرت في مجلة BMC Medicine، أن الأشخاص المصابين بالاكتئاب الذين اتبعوا حمية البحر الأبيض المتوسط لمدة ثلاثة أشهر، أظهروا تحسنًا نفسيًا ملحوظًا مقارنةً بمن حافظوا على عاداتهم الغذائية المعتادة.
تعتمد هذه الحمية على تناول كميات كبيرة من الفواكه، الخضروات، الحبوب الكاملة، البقوليات، الأسماك، مع تقليل استهلاك اللحوم الحمراء والسكريات. ويعتقد الخبراء أن هذا النظام الغذائي يوفر التوازن الغذائي الضروري لدعم صحة الدماغ وتحسين الحالة المزاجية.
الألياف والميكروبيوم: دعم من الأمعاء إلى الدماغ
ربطت عدة دراسات بين استهلاك الألياف الطبيعية وتحسن الصحة النفسية، من خلال التأثير على "الميكروبيوم" المعوي — وهو مجتمع البكتيريا النافعة في الجهاز الهضمي، والذي يؤثر بشكل غير مباشر على الدماغ.
مراجعة علمية نُشرت عام 2023، ضمت 18 دراسة، خلصت إلى أن زيادة استهلاك الألياف بمقدار 5 جرامات يوميًا تقلل خطر الإصابة بالاكتئاب بنسبة 5%، خاصة لدى الفئات الأكثر عرضة للاضطرابات النفسية. ومن جانبها، توصي هيئة الخدمات الصحية البريطانية (NHS) بتناول 30 جرامًا من الألياف يوميًا على الأقل للحفاظ على الصحة العامة والنفسية.
الأطعمة الفائقة المعالجة: خطر خفي على الحالة النفسية
حذّرت دراسات حديثة من خطورة الأطعمة الفائقة المعالجة — مثل المشروبات الغازية، الآيس كريم، ورقائق البطاطا — على الصحة النفسية. وذكرت دراسة منشورة في مجلة Clinical Nutrition أن كل زيادة بنسبة 10% من هذه الأطعمة في النظام الغذائي تؤدي إلى ارتفاع مماثل في خطر ظهور أعراض الاكتئاب.
ويرى الباحثون أن هذه الأطعمة، إلى جانب افتقارها للعناصر الغذائية المفيدة، قد تؤثر سلبًا على كيمياء الدماغ وتوازن الميكروبيوم المعوي، مما ينعكس مباشرة على المزاج.
تداخل العوامل: ليس الغذاء وحده المسؤول
على الرغم من أهمية النظام الغذائي في تحسين الصحة النفسية، إلا أن الخبراء يؤكدون أن التغذية ليست العامل الوحيد المؤثر. فالسلوكيات الأخرى مثل قلة النشاط البدني، قلة التعرض للشمس، والسمنة، تلعب جميعها دورًا جوهريًا في تشكيل الحالة النفسية للفرد.