تشهد المؤسسة العسكرية الإسرائيلية واحدة من أخطر موجات التمرد في صفوف قوات الاحتياط منذ عقود، في ظل استعداد حكومة بنيامين نتنياهو لتوسيع العملية البرية في قطاع غزة، ضمن ما يعرف بعملية "مركبات جدعون". ففي مشهد غير معتاد، أعلن مئات الجنود والضباط، وبينهم من قاتلوا في الخطوط الأمامية، رفضهم العودة إلى الخدمة طالما تتجاهل الحكومة مصير الرهائن وتواصل ما وصفوه بـ"حرب بلا هدف".
رسالة احتجاج تتحول إلى حركة منظمة
انطلقت هذه التحركات أولاً كمبادرات فردية، لكنها سرعان ما تحولت إلى حركة جماعية تحت اسم "جنود من أجل الرهائن". وقد وقّع أكثر من 300 جندي احتياط على رسالة مفتوحة عبّروا فيها عن رفضهم الاستمرار في الخدمة العسكرية، مؤكدين أن استمرار العمليات في غزة هو بمثابة "حكم بالإعدام" على الرهائن المحتجزين لدى حماس. وقد أشار منظمو الحملة إلى أن الأعداد الفعلية للمحتجين تفوق ما أُعلن، إذ يُقدر أن الآلاف من الجنود يشاركون في الرفض الصامت وغير المعلن.
رفض يتجاوز الشعارات الأخلاقية نحو نقد سياسي مباشر
اللافت في هذه الحركة أنها لا تضم فقط المعارضين التقليديين الذين يرفضون الخدمة في الأراضي المحتلة لأسباب أخلاقية، بل تشمل جنوداً وضباطاً خدموا فعلياً في الميدان. المحتجون يعتبرون أن الحكومة الإسرائيلية الحالية، وبخاصة تحت ضغط الأحزاب اليمينية المتطرفة في الائتلاف الحاكم، تُطيل أمد الحرب لأغراض سياسية داخلية، وتُعرقل التوصل إلى أي صفقة تبادل أسرى قد تُنهي الأزمة.
أصوات من الميدان: حرب عبثية وثمن نفسي باهظ
عدد من الجنود الذين شاركوا في القتال داخل غزة تحدثوا عن معاناة شخصية ونفسية نتيجة طول فترة القتال وغموض الأهداف. أحدهم، وهو نائب قائد سرية مدرعات خدم 269 يوماً في غزة، قال إنه يشعر بأن الحكومة وضعت الجنود أمام خيار مستحيل: إما التضحية بالرهائن أو التخلي عن زملائهم في ساحة القتال. وأضاف أن عائلته اليمينية بدأت تفقد ثقتها في الحكومة وتعتبرها "مجموعة عاجزين مجانين". بينما اعتبر ضابط آخر أن الحرب باتت "عبثية" بعد انهيار صفقة تبادل بسبب تدخلات وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير.
أزمة تتعمق: "الرفض الصامت" يتوسع والشرعية تتآكل
رغم أن الجيش الإسرائيلي يتجنب الكشف عن أرقام دقيقة لحالات الرفض، فإن التقديرات تشير إلى وجود عدد كبير من الجنود الذين يتحايلون على قرارات الاستدعاء بحجج صحية أو اقتصادية لتفادي العقوبات. كما أظهرت تقارير أن نحو 41% من جنود الاحتياط فقدوا وظائفهم بسبب طول فترات خدمتهم، ما زاد من استنزافهم الاقتصادي والنفسي.
الرأي العام يتحول ودعوات لإنهاء الحرب
تزامن هذا التمرد مع تغيرات واضحة في المزاج الشعبي داخل إسرائيل، حيث أظهرت استطلاعات الرأي أن نحو 60% من المواطنين يؤيدون صفقة تبادل شاملة، حتى لو أدت إلى إنهاء العمليات العسكرية. كما قال قادة الحركة إن 80% من جنود الاحتياط يرغبون بوقف الحرب فورًا، ما يعكس تراجعًا في الدعم الشعبي والمهني لاستمرار العمليات العسكرية.
احتمالات التصعيد السياسي والعسكري
يمثل هذا التمرد أحد أعمق الانقسامات في الجيش الإسرائيلي منذ حرب لبنان عام 1982، ويهدد بتوسيع الأزمة في حال امتدت إلى وحدات النخبة أو ضباط كبار. وقد يجد نتنياهو نفسه قريبًا أمام مفترق طرق: إما مراجعة الاستراتيجية العسكرية بما يشمل صفقة تبادل حقيقية، أو مواجهة أزمة شرعية حادة داخل الجيش والمجتمع الإسرائيلي على حد سواء.
إن استمرار هذه الحركة واتساع رقعتها قد يفرض تغييرًا جذريًا في سياسة الحكومة تجاه غزة، ويُمهّد لتحولات كبيرة في شكل الحرب، وربما في خريطة الحكم داخل إسرائيل نفسها.